Mar 17, 2009

انتظرني

انتظرني

سألته مرارا ...مالذي يبقيك على حالك التي أنت عليها ؟
تخشى المضي قدما ..وتشعر بالرهبة في اتخاذ خطوة إلى الأمام ؟
قال لي : سجاني لا يسمح لي بالحركة
قلت له : أتحب هذا السجن ؟
قال : لا بالطبع فأنا ألعنه كل يوم
قلت : وماذا تنتظر ؟
قال: أنتظر أن يفرج الله عني ما أنا فيه من كرب
قلت : وكيف ذلك ؟
قال : وددت لو أن الله بدل مزاج السجان أو غير رأيه فأطلق سراحي من ذات نفسه
سكت كثيرا محاولا فهم هذه الأحجية
ثم قلت له : سمعتك أحيانا تسأل الله ...رب لما جعلتي في إساري هذا ...لما خلقتني في سجني هذا ؟
قال : بلى
قلت : أتلوم الله إذن ؟ أنت تقول أنه لولا أن خلقك في سجنك هذا ...ما كنت لتعاني ألم الأسر
قال : ما هكذا قصدت ...أو ربما هذا ما قصدت ...لا أدرى
قلت : وأنت تعلم أن سجنك ومفتاح سجانك ما هما إلا ميراث كابر عن كابر ؟ سجانك مسجون في سجن أعظم وهو يسجنك أنت في سجنك هذا الذي أنت فيه.....فسجانك ورث مهنة السجن كابرا عن كابر ...لم يعرف غيرها ولم يذق طعم أي مهنة سواها
قال : أعلم، بل وأعلم انه يمارسها بلا وعى منه ...أسمعه يتمتم بكلمات كل يوم وكأنه يصلي
قلت : نعم ...هكذا كثير من السجانين ..يصلون ...يطلبون من الله تكريس سلطتهم حتى يتمكنوا من احكام سيطرتهم على سجونهم وما فيها من مساجين
قال : وكيف يصنعون هذا؟
قلت : هكذا توارثوها ....قال له أبوه ...وقال جده لأبيه ...وهكذا
قال: وكيف أصنع الآن ؟
قلت : عبثا تنتظر أن يغير السجان إرادته
قال: ولكن هذا هو كل ما أستطيع
قلت : وإرادتك ؟
قال: ليست لي إرادة
قلت : وكل هذا الكلام الذي تحكيه ثم تقول ليست لي إرادة ؟ أردت الطعام فطعمت ، وأردت الشراب فشربت، وأردت النوم فنمت ، وأردت الحديث معي فتحدثت ، وأردت الشكاء فشكوت ...أنت تريد وتفعل ما تريد إذن
قال: هذه إرادة لا يأتي معها عناء
قلت : إذن لديك إرادة فلا تدعى خلوك منها إذن
قال : أنت تفلسف الأمور
قلت : نعم ..يقولون هذا ....ولكن ...ماذا أصنع ..إن كنت قد أردت يوما فسرت حيث قادتني إرادتي ...أنا لا أنظر إلى الوراء ...أنا ذقت طعم الحرية مرارا ....لا أقدر على سجن نفسي مرة أخرى ..وبماذا ؟ بإرادتي؟
إرادة السجان لن تتغير بل تغلبها إرادة المسجون عندما يقرر أنه لن يرضى بإغلاق باب السجن عليه مرة أخرى
قال : ثورة ثورة ...كل ما لديك ثورة ...أتعبتني ثورتك
قلت : ليست ثورة .....بل فطرة .
انتكست في خلق كثيرين ...فلما أراد البعض العيش بالفطرة ...سموها ثورة ....ولكنها الفطرة
قال: ثورة ...فطرة ...لا أبالي ....أنا يجب أن انتظر ارادة السجان ان تتغير

ضحكت قليلا ...لما نظرت إلي السجان ورأيته يتبرز ويبول ...ويتثاوب ويبكي ...ويأكل ويشرب ...ويصرخ ويضحك
وتعجبت كيف أن السجان ضعيف مثل خيوط العنكبوت لا يملك حتى نفع نفسه ..لو شاء الله لقضى عليه أو نام فلم يستيقظ...أو مرض فلم يشفى ، أو خرج فلم يعد ...
ومفتاح السجن ....ما هو إلا عدة قوانين هي من تخاريف الأجداد يلوح بها السجانون
نظرت إلي المسجون وقلت له :
علم سجانك شيئا ...علمه أنه بشر مثلك ..وأنه لا يحق له سلبك حريتك ...فقط افتح الباب وامضي ....إن سجانك عرف أنك لا تجرؤ حتى على قول لا ..فقد أثقلك بتلاوته لتراتيل الاباء والاجداد ووعيده بعذاب من الله إن حررت نفسك ...ألم ترى أن الله رب السجان فك إسارك ؟ وحرر إرادتك ؟ وخيرك بين الكفر به والايمان به ؟ أيعقل أن ربا كهذا يسلم عنقك لمن هو دونه ؟
ألم ترى أن السجان يفتري على الله كذبا أو جهلا ؟ وأنه يسلبك ما أعطاك الله إليه ؟

لوى المسجون عنقه وأشاح عني بوجهه ....ونظر إلى الطرف الآخر من الزنزانة
أطلت الوقوف في زنزانته رغم أني لست من سكانها
وبدأت أشعر بببرودة الزنزانة وثقل هوائها على رئتي
وكأن قدماي يتحولان إلي حجر من حجارة السجن
تبسمت لصديقي المسجون ومددت يدي إليه
وقلت له هيا
نظر إليا المسجون بحسرة ...
نظرت إليه وقلت : لم أعد أستطيع الانتظار طويلا
أنا افقد نفسي ...وأتحول إلي مسجون مثلك ...وياليت سجني هذا ينفعك ..فالسجان سيحدد لي ولك مواعيد الطعام والشراب والكلام واللقاء ..بل قد يمنعنا تماما من ذلك ..بل قد يضعني في زنزانة انفرادية وأنت كذلك

بقائي لا ينفعك ولا ينفعني
وطول الأمد يرضى السجان
ويعطيه الاحساس بأن قهره دائم وسجنه قائم

دقت ساعتي ...مشيرة إلى شروق الشمس ...الذي قد اقترب
نظرت إلي السماء
وأمسكت بيد المسجون
لم أفلتها
ثم .....دخل السجان
ونظر المسجون في ذهول
تفوه السجان بكلماته المملوءة كبرا
" أنت أيها المسجون حكمت عليك بالحرمان التام ، وأنت أيها الزائر الذي أفسد عليا سجني ومساجيني ....محكوم عليك بال ....."
ضحكت ...وقلت: سلام عليكم ....ما حرره الله .........لا يقيده عبد ....حكمك على نفسك
نظرت نظرة أخيرة إلى المسجون وهو يتلقى التوبيخ والوعيد من السجان

ومضيت
لا أنظر إلى الوراء
وفي كل خطوة من خطواتي
تمنيت لو أشعر بيد صديقي المسجون تلمس كتفي ...
تبتعد خطواتي
وقلبي يرجو : " حرر نفسك ...حرر نفسك "

وقبل أن تغرب الشمس .... سمعت صوته ورائي .....يقول ....

Labels:

Mar 1, 2009

عندما يكون إرضاء الله أسهل من إرضاء الناس

في مجتمعاتنا الشرقية تعلو عدة قيم وتصبح أصيلة لا يمكن المناقشة فيها وهي في حد ذاتها قيم رائعة لا فصال في ذلك ، بعض هذه القيم لها مرجعية دينية وبعضها يدعمها العرف والتقليد وبعضها إنساني بحت ولكنه من المعقول المقبول الموافق للفطرة الآدمية الطبيعية
غير أن المجتمعات الجمعية التي نحيا فيها تتشابك العلاقات الإنسانية إلى حد انتهاك المساحة الخاصة لكل إنسان فينا بدعوى الترابط والأصول والعرف وكلام الناس وتتحول القيمة البسيطة المتأصلة دينيا والمدعومة عرفا وتقليدا إلى عبء شديد وداء بليغ يحجم الأصل الرباني الذي خلقه الله في كل إنسان ألا وهو حرية الاختيار وحرية الكينونة وحرية المصير
إن ما يسمى مثلا بطاعة الوالدين هو قيمة دينية بليغة وأصيلة ومهمة جدا وهو دليل على أن الله رفع شأن الوالدين وفي هذا نصوص كثيرة لا مجال لذكرها أو لسردها في مقالة صغيرة كالتي أكتبها الآن ولكن هذه القيمة الرائعة تتحول في أحيان إلى عبادة الوالدين حتى يصبحا صنمين وتصبح طاعتهما مثل السجود للصنم على ضلال وعمى وجهالة
وما يسمي مثلا بطاعة الزوج هو أيضا أمر منصوص عليه في السنة الشريفة وله سياقات عدة لكنه تحول إلي تأليه الزوج وأصبح الرجل رب من دون الله في كثير من الأحوال
ثم تجد قامة طاعة الحاكم وهي أيضا قيمة لها أصل في السنة ولها سياقاتها ولكنها تحولت إلى فساد مبين عم الارض والسماء والاشياء
وهذه العلاقات الإنسانية التي فيها مشاركة تصبح ذات مسار واحد وحسب
الأب والأم فوق الأبناء
والزوج فوق الزوجة
والحاكم فوق الشعب
وفي الحقيقة ما أجد في كتاب الله ولا سنة نبيه هذه الروح " الصنمية " ..حتى ولو وجدت بعض النصوص التي يحب البعض أن يستخدمها استخداما " صنميا " ينزع النص عن أصول الشريعة الثابتة الا ان اتجاه النص القرآني العام وما يدعمه من نصوص من السنة هى اتجاه التحرير والتخفيف والتيسير والبحث عن الحقوق
ولا يعني التحرير والتخفيف والتيسير ان الاتجاه اتجاه التميع او الانحلال فكثيرا ما يحلو للخائفين المرعوبين علي اصول الدين ان يخشوا من لفظة التحرير والتيسير ويعتبرون هتان اللفظتان مرادفتين للتحلل والانحراف
ولكن التحرير يعني تحرير الارادة في الاصل ، فالله خلق الانسان حرا يختار ان يؤمن او يكفر فإن كان هذا حق للانسان فما دون ذلك أولى بالضرورة
والتيسير هو اصل التشريع ومناطه الحقوق ومصالح العباد ولذا تراكمات العادات والتقاليد والعبثيات الفقهية المتناقضة عبر القرون تثقل هذه القيمة بجبال من العنت والشقاء ما أنزل الله بها من سلطان وما كان الله ليأمر بهذا ولكن الناس يصنعون ما يصنعون ويحبون نسبته إلى الله كعادتهم وكأن الله هو أهون شئ عليهم أن ينسبوا إليه غلظتهم وقسوتهم وظلمهم
ونعود إلى أمثلة الطاعة التي ذكرتها للتو
طاعة الوالدين - طاعة الزوج - طاعة الحاكم
ولكل علاقة من تلك العلاقات ضوابط والا فإن التسلط والفساد سيتمكن منها وتصبح علاقة استبدادية لا معنى لها ولا خير فيها ولا داعي لتطبيقها في الاساس طالما أنها اصبحت علاقة مؤسسة علي الرضوخ والصغار والحرمان من الحريات البسيطة
إن إرضاء الله أيسر كثيرا من إرضاء الناس
والله يأمر باليسر ولا يعسر
ويأمر بالعدل ولا يظلم
فمن كان من عباد الله يعسر ما يسره الله ويظلم فيما أمر الله فيه بالعدالة فليعلم ان عبد الله هذا في طريق منحرف لا طاعة له لأنه ما اكتسب حق الطاعة هذا الذي يريد الاحتفاظ به إلا بقوله هذه كلمة الله ، ولو كان عبد الله هذا يؤمن بكلمة الله التي يدعي الايمان بها فليعلم أن كلمة الله تقتضي اليسر والعدل
ويوم تعم البلوى فيصبح في طاعة الوالدين عسر وظلم وطاعة الزوج عسر وظلم وطاعة الحاكم عسر وظلم
فلقد سقطت مشروعية الطاعة في اصلها وانتفت اركانها
واصبح كل مطيع مكرس لمظلمة وراض عنها وقابل بها وهو فيها شريك
لأن الرضا بالفساد في العلاقات تلك لا يجعلها شخصانية فردية بل يحولها الي عرف وتقليد متبع وقانون أعوج يذبح في الناس ويدمر مصائرهم
ولذا ترون المظاهر التالية حتى اصبحت حقا مكتسبا لا يمكن النقاش فيه
ضرب الزوجات بحجة التأديب
منع الزوجات من العمل والتمتع بابسط الحقوق الانسانية بحجة القوامة
حرمان الفتيات من اختيار ازواجهن بحجة الولاية
حرمان الفتيات من الميراث بحجة الضعف وتفضيل الذكر
ختان الاناث بحجة العفة
ظلم الحاكم بحجة انه الولي وله والطاعة العامة
ومن مجمل هذه المظاهر ظهرت امور مرضية هي ايضا من نتائج " صنمية " العلاقات التي قدسها الناس وما هي بمقدسة
فالاب يامر ابنه بقطيعة اقاربه وحجته انها طاعة للوالدين
والام تامر ابنتها باختيار الزوج بناءا على ماله وحسبه ثم تقول هذه طاعة للام
والزوج يمنع زوجته من السفر او رؤية الاقارب او حتى التمتع من هواية مفيدة بحجة طاعة الزوج
وهكذا
كيف تنجح هذه العلاقات اذن وتؤدي دورها ؟
بالتوازن
فما بين الابوين وابنائهم هنالك بر ومودة لا قهر واتباع في كل شئ
وما بين الزوجين مساواة كاملة حق بحق وواجب بواجب
وما بين الحاكم والمحكوم حقوق وواجبات للطرفين
عندما يكون ارضاء الله اسهل من ارضاء الناس...فقدم رضا الله ...واعلم ان الذي يرضي الله بسيط جدا بل هو مثل الهواء الذي تتنفسه
وفور ان يصبح في هذا الهواء ذرات رمال وأعواد وقطع خشب متطايرة ..اعلم ان الناس قد بثوا فيه خبثهم
ولا يغرنك قول القائل اطعني لان طاعتي من طاعة الله
فما اسهل القول
واسال نفسك هذا السؤال
ان الله اعطاك حقا أعلى في ان تختاره هو ذاته فتعبده او تكفر به
فكيف بالله عليك يسلط على رقبتك من هو أدني يطالبك بتقييد هذه الحرية فيما هو ادني من الايمان والكفر؟
اما قول النبي لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق فهو ناسخ لكل طاعة مؤسسة على معصية
واشد المعاصي ما ضرب صميم اصول الشرع
واعظم اصل في الشرع هو العدالة
والعدالة مؤسسة في كينونتها على الارادة
والارادة هي مناط الحساب يوم القيامة
الله خلقنا احرارا
فلما نعبد من دونه ؟؟؟

Labels: