انتظرني
انتظرني
سألته مرارا ...مالذي يبقيك على حالك التي أنت عليها ؟
تخشى المضي قدما ..وتشعر بالرهبة في اتخاذ خطوة إلى الأمام ؟
قال لي : سجاني لا يسمح لي بالحركة
قلت له : أتحب هذا السجن ؟
قال : لا بالطبع فأنا ألعنه كل يوم
قلت : وماذا تنتظر ؟
قال: أنتظر أن يفرج الله عني ما أنا فيه من كرب
قلت : وكيف ذلك ؟
قال : وددت لو أن الله بدل مزاج السجان أو غير رأيه فأطلق سراحي من ذات نفسه
سكت كثيرا محاولا فهم هذه الأحجية
ثم قلت له : سمعتك أحيانا تسأل الله ...رب لما جعلتي في إساري هذا ...لما خلقتني في سجني هذا ؟
قال : بلى
قلت : أتلوم الله إذن ؟ أنت تقول أنه لولا أن خلقك في سجنك هذا ...ما كنت لتعاني ألم الأسر
قال : ما هكذا قصدت ...أو ربما هذا ما قصدت ...لا أدرى
قلت : وأنت تعلم أن سجنك ومفتاح سجانك ما هما إلا ميراث كابر عن كابر ؟ سجانك مسجون في سجن أعظم وهو يسجنك أنت في سجنك هذا الذي أنت فيه.....فسجانك ورث مهنة السجن كابرا عن كابر ...لم يعرف غيرها ولم يذق طعم أي مهنة سواها
قال : أعلم، بل وأعلم انه يمارسها بلا وعى منه ...أسمعه يتمتم بكلمات كل يوم وكأنه يصلي
قلت : نعم ...هكذا كثير من السجانين ..يصلون ...يطلبون من الله تكريس سلطتهم حتى يتمكنوا من احكام سيطرتهم على سجونهم وما فيها من مساجين
قال : وكيف يصنعون هذا؟
قلت : هكذا توارثوها ....قال له أبوه ...وقال جده لأبيه ...وهكذا
قال: وكيف أصنع الآن ؟
قلت : عبثا تنتظر أن يغير السجان إرادته
قال: ولكن هذا هو كل ما أستطيع
قلت : وإرادتك ؟
قال: ليست لي إرادة
قلت : وكل هذا الكلام الذي تحكيه ثم تقول ليست لي إرادة ؟ أردت الطعام فطعمت ، وأردت الشراب فشربت، وأردت النوم فنمت ، وأردت الحديث معي فتحدثت ، وأردت الشكاء فشكوت ...أنت تريد وتفعل ما تريد إذن
قال: هذه إرادة لا يأتي معها عناء
قلت : إذن لديك إرادة فلا تدعى خلوك منها إذن
قال : أنت تفلسف الأمور
قلت : نعم ..يقولون هذا ....ولكن ...ماذا أصنع ..إن كنت قد أردت يوما فسرت حيث قادتني إرادتي ...أنا لا أنظر إلى الوراء ...أنا ذقت طعم الحرية مرارا ....لا أقدر على سجن نفسي مرة أخرى ..وبماذا ؟ بإرادتي؟
إرادة السجان لن تتغير بل تغلبها إرادة المسجون عندما يقرر أنه لن يرضى بإغلاق باب السجن عليه مرة أخرى
قال : ثورة ثورة ...كل ما لديك ثورة ...أتعبتني ثورتك
قلت : ليست ثورة .....بل فطرة .
انتكست في خلق كثيرين ...فلما أراد البعض العيش بالفطرة ...سموها ثورة ....ولكنها الفطرة
قال: ثورة ...فطرة ...لا أبالي ....أنا يجب أن انتظر ارادة السجان ان تتغير
ضحكت قليلا ...لما نظرت إلي السجان ورأيته يتبرز ويبول ...ويتثاوب ويبكي ...ويأكل ويشرب ...ويصرخ ويضحك
وتعجبت كيف أن السجان ضعيف مثل خيوط العنكبوت لا يملك حتى نفع نفسه ..لو شاء الله لقضى عليه أو نام فلم يستيقظ...أو مرض فلم يشفى ، أو خرج فلم يعد ...
ومفتاح السجن ....ما هو إلا عدة قوانين هي من تخاريف الأجداد يلوح بها السجانون
نظرت إلي المسجون وقلت له :
علم سجانك شيئا ...علمه أنه بشر مثلك ..وأنه لا يحق له سلبك حريتك ...فقط افتح الباب وامضي ....إن سجانك عرف أنك لا تجرؤ حتى على قول لا ..فقد أثقلك بتلاوته لتراتيل الاباء والاجداد ووعيده بعذاب من الله إن حررت نفسك ...ألم ترى أن الله رب السجان فك إسارك ؟ وحرر إرادتك ؟ وخيرك بين الكفر به والايمان به ؟ أيعقل أن ربا كهذا يسلم عنقك لمن هو دونه ؟
ألم ترى أن السجان يفتري على الله كذبا أو جهلا ؟ وأنه يسلبك ما أعطاك الله إليه ؟
لوى المسجون عنقه وأشاح عني بوجهه ....ونظر إلى الطرف الآخر من الزنزانة
أطلت الوقوف في زنزانته رغم أني لست من سكانها
وبدأت أشعر بببرودة الزنزانة وثقل هوائها على رئتي
وكأن قدماي يتحولان إلي حجر من حجارة السجن
تبسمت لصديقي المسجون ومددت يدي إليه
وقلت له هيا
نظر إليا المسجون بحسرة ...
نظرت إليه وقلت : لم أعد أستطيع الانتظار طويلا
أنا افقد نفسي ...وأتحول إلي مسجون مثلك ...وياليت سجني هذا ينفعك ..فالسجان سيحدد لي ولك مواعيد الطعام والشراب والكلام واللقاء ..بل قد يمنعنا تماما من ذلك ..بل قد يضعني في زنزانة انفرادية وأنت كذلك
بقائي لا ينفعك ولا ينفعني
وطول الأمد يرضى السجان
ويعطيه الاحساس بأن قهره دائم وسجنه قائم
دقت ساعتي ...مشيرة إلى شروق الشمس ...الذي قد اقترب
نظرت إلي السماء
وأمسكت بيد المسجون
لم أفلتها
ثم .....دخل السجان
ونظر المسجون في ذهول
تفوه السجان بكلماته المملوءة كبرا
" أنت أيها المسجون حكمت عليك بالحرمان التام ، وأنت أيها الزائر الذي أفسد عليا سجني ومساجيني ....محكوم عليك بال ....."
ضحكت ...وقلت: سلام عليكم ....ما حرره الله .........لا يقيده عبد ....حكمك على نفسك
نظرت نظرة أخيرة إلى المسجون وهو يتلقى التوبيخ والوعيد من السجان
ومضيت
لا أنظر إلى الوراء
وفي كل خطوة من خطواتي
تمنيت لو أشعر بيد صديقي المسجون تلمس كتفي ...
تبتعد خطواتي
وقلبي يرجو : " حرر نفسك ...حرر نفسك "
وقبل أن تغرب الشمس .... سمعت صوته ورائي .....يقول ....
سألته مرارا ...مالذي يبقيك على حالك التي أنت عليها ؟
تخشى المضي قدما ..وتشعر بالرهبة في اتخاذ خطوة إلى الأمام ؟
قال لي : سجاني لا يسمح لي بالحركة
قلت له : أتحب هذا السجن ؟
قال : لا بالطبع فأنا ألعنه كل يوم
قلت : وماذا تنتظر ؟
قال: أنتظر أن يفرج الله عني ما أنا فيه من كرب
قلت : وكيف ذلك ؟
قال : وددت لو أن الله بدل مزاج السجان أو غير رأيه فأطلق سراحي من ذات نفسه
سكت كثيرا محاولا فهم هذه الأحجية
ثم قلت له : سمعتك أحيانا تسأل الله ...رب لما جعلتي في إساري هذا ...لما خلقتني في سجني هذا ؟
قال : بلى
قلت : أتلوم الله إذن ؟ أنت تقول أنه لولا أن خلقك في سجنك هذا ...ما كنت لتعاني ألم الأسر
قال : ما هكذا قصدت ...أو ربما هذا ما قصدت ...لا أدرى
قلت : وأنت تعلم أن سجنك ومفتاح سجانك ما هما إلا ميراث كابر عن كابر ؟ سجانك مسجون في سجن أعظم وهو يسجنك أنت في سجنك هذا الذي أنت فيه.....فسجانك ورث مهنة السجن كابرا عن كابر ...لم يعرف غيرها ولم يذق طعم أي مهنة سواها
قال : أعلم، بل وأعلم انه يمارسها بلا وعى منه ...أسمعه يتمتم بكلمات كل يوم وكأنه يصلي
قلت : نعم ...هكذا كثير من السجانين ..يصلون ...يطلبون من الله تكريس سلطتهم حتى يتمكنوا من احكام سيطرتهم على سجونهم وما فيها من مساجين
قال : وكيف يصنعون هذا؟
قلت : هكذا توارثوها ....قال له أبوه ...وقال جده لأبيه ...وهكذا
قال: وكيف أصنع الآن ؟
قلت : عبثا تنتظر أن يغير السجان إرادته
قال: ولكن هذا هو كل ما أستطيع
قلت : وإرادتك ؟
قال: ليست لي إرادة
قلت : وكل هذا الكلام الذي تحكيه ثم تقول ليست لي إرادة ؟ أردت الطعام فطعمت ، وأردت الشراب فشربت، وأردت النوم فنمت ، وأردت الحديث معي فتحدثت ، وأردت الشكاء فشكوت ...أنت تريد وتفعل ما تريد إذن
قال: هذه إرادة لا يأتي معها عناء
قلت : إذن لديك إرادة فلا تدعى خلوك منها إذن
قال : أنت تفلسف الأمور
قلت : نعم ..يقولون هذا ....ولكن ...ماذا أصنع ..إن كنت قد أردت يوما فسرت حيث قادتني إرادتي ...أنا لا أنظر إلى الوراء ...أنا ذقت طعم الحرية مرارا ....لا أقدر على سجن نفسي مرة أخرى ..وبماذا ؟ بإرادتي؟
إرادة السجان لن تتغير بل تغلبها إرادة المسجون عندما يقرر أنه لن يرضى بإغلاق باب السجن عليه مرة أخرى
قال : ثورة ثورة ...كل ما لديك ثورة ...أتعبتني ثورتك
قلت : ليست ثورة .....بل فطرة .
انتكست في خلق كثيرين ...فلما أراد البعض العيش بالفطرة ...سموها ثورة ....ولكنها الفطرة
قال: ثورة ...فطرة ...لا أبالي ....أنا يجب أن انتظر ارادة السجان ان تتغير
ضحكت قليلا ...لما نظرت إلي السجان ورأيته يتبرز ويبول ...ويتثاوب ويبكي ...ويأكل ويشرب ...ويصرخ ويضحك
وتعجبت كيف أن السجان ضعيف مثل خيوط العنكبوت لا يملك حتى نفع نفسه ..لو شاء الله لقضى عليه أو نام فلم يستيقظ...أو مرض فلم يشفى ، أو خرج فلم يعد ...
ومفتاح السجن ....ما هو إلا عدة قوانين هي من تخاريف الأجداد يلوح بها السجانون
نظرت إلي المسجون وقلت له :
علم سجانك شيئا ...علمه أنه بشر مثلك ..وأنه لا يحق له سلبك حريتك ...فقط افتح الباب وامضي ....إن سجانك عرف أنك لا تجرؤ حتى على قول لا ..فقد أثقلك بتلاوته لتراتيل الاباء والاجداد ووعيده بعذاب من الله إن حررت نفسك ...ألم ترى أن الله رب السجان فك إسارك ؟ وحرر إرادتك ؟ وخيرك بين الكفر به والايمان به ؟ أيعقل أن ربا كهذا يسلم عنقك لمن هو دونه ؟
ألم ترى أن السجان يفتري على الله كذبا أو جهلا ؟ وأنه يسلبك ما أعطاك الله إليه ؟
لوى المسجون عنقه وأشاح عني بوجهه ....ونظر إلى الطرف الآخر من الزنزانة
أطلت الوقوف في زنزانته رغم أني لست من سكانها
وبدأت أشعر بببرودة الزنزانة وثقل هوائها على رئتي
وكأن قدماي يتحولان إلي حجر من حجارة السجن
تبسمت لصديقي المسجون ومددت يدي إليه
وقلت له هيا
نظر إليا المسجون بحسرة ...
نظرت إليه وقلت : لم أعد أستطيع الانتظار طويلا
أنا افقد نفسي ...وأتحول إلي مسجون مثلك ...وياليت سجني هذا ينفعك ..فالسجان سيحدد لي ولك مواعيد الطعام والشراب والكلام واللقاء ..بل قد يمنعنا تماما من ذلك ..بل قد يضعني في زنزانة انفرادية وأنت كذلك
بقائي لا ينفعك ولا ينفعني
وطول الأمد يرضى السجان
ويعطيه الاحساس بأن قهره دائم وسجنه قائم
دقت ساعتي ...مشيرة إلى شروق الشمس ...الذي قد اقترب
نظرت إلي السماء
وأمسكت بيد المسجون
لم أفلتها
ثم .....دخل السجان
ونظر المسجون في ذهول
تفوه السجان بكلماته المملوءة كبرا
" أنت أيها المسجون حكمت عليك بالحرمان التام ، وأنت أيها الزائر الذي أفسد عليا سجني ومساجيني ....محكوم عليك بال ....."
ضحكت ...وقلت: سلام عليكم ....ما حرره الله .........لا يقيده عبد ....حكمك على نفسك
نظرت نظرة أخيرة إلى المسجون وهو يتلقى التوبيخ والوعيد من السجان
ومضيت
لا أنظر إلى الوراء
وفي كل خطوة من خطواتي
تمنيت لو أشعر بيد صديقي المسجون تلمس كتفي ...
تبتعد خطواتي
وقلبي يرجو : " حرر نفسك ...حرر نفسك "
وقبل أن تغرب الشمس .... سمعت صوته ورائي .....يقول ....
Labels: قصة قصيرة














