الزيف: ذلك الشئ الذي نشتمه ...ونفعله
هي كلمة كبيرة ولا تعني إلا أشياء سلبية ومقيتة، فهي كلمة توحي بالنفاق والأزدواجية والقشرية والمظاهرية، وهي كلمة تدلل علي الخواء والبعد عن الجوهر، وهي كلمة بطبيعة الحال توضح معنى الضد لها، ألا وهي الأصالة والقيمية.
في كل منا درجة من درجات الزيف ربما، وربما هي جزء طبيعي من تكوين البشر، أو ربما نحن نستخدم كلمة لا ينبغي استخدامها دائما لنصف بها ما نرى من تناقض وازدواجية ، لأنه ربما لو رأينا تناقضا في إنسان ما في قضية ما لا يعني أن هذا الشخص مزيف بالمعنى الشامل الذي نبغضه جميعا.
الشاهد هو أن الناس فيهم درجات من الازدواجية والتناقض وهو متفاوت من شخص لآخر، ولعل الالتزام بما هو قواعدي أو مبادئى لا فصال فيه، أمر صعب في مجتمع يحث الناس علي الازدواجية والتجمل ويأبه كثيرا لكلام الناس، ويعمل ألف حساب لما هو مقبول وغير مقبول، أكثر مما يبحث عن القيمة والأصل والمعنى، بل حتى أكثر مما يبحث عن الذي أمر به الله عزوجل ، بل وفي الفئة من الناس الذين يتلون آيات الله آناء الليل وأطراف النهار.
ربما علينا ألا نذبح الناس بهذه الكلمة، ولكن علينا ألا نعطيهم أقدار الآلهة ولا قدسية الملائكة، فهم بشر في النهاية وهم أصحاب مصالح وأهواء ونزوات وشهوات بل وهم أولو أمزجة وأراء متغيرة وتأثيرات آنية، بل وتبريرات قد يقنعون أنفسهم بها....... وكلنا نقوم بهذا. فمن منا محايد مائة بالمائة ؟
وفي المقابل علينا ألا نطيعهم في الجزء الذي لا نراه متسقا مع المبدأ الذي نحب أن نراه مطبقا وحيا علي أرض الواقع.
كم من إنسان متصدق كريم لا يمنع المحروم من المساعدة والصدقة، لكنه يمارس الوصم ويحكم علي الناس أحكاما مسبقة مثلا في كثير من مناحي حياته ؟ هذه النوعية موجودة بكثرة، والشخص الذي يمارس هذا لا يستشعر الفرق، ربما لأنه شخص " صالح " يطعم الطعام ويزور المرضى ويساعد المحتاج بالمال . هو لا يشعر بهذا التناقص في الأساس... وربما لا ينبغي أن أسميه مزيفا – لأنها كلمة قاسية - لأن في هذا الشخص أو غيره شئ من التناقض، بل علينا أن نكون أكثر عدلا في وصف هؤلاء الذين نقر لهم بفضل هنا ونعرف لهم سقطة هناك.
نقر لهم بالفضل حيث يستحقونه، ونواجههم بالنقيصة حين يقومون بها، ونمتنع عن طاعتهم فيها أو مجاراتهم فيها حينما تتناقض أفعالهم مع المبادئ التي نؤمن بها بل ويؤمنون بها.
وكذلك علينا – نحن الذين نرى ما نري ويضايقنا هذا التناقض – أن نكون قدوة لهؤلاء الذين لم يعجبنا بعض أفعالهم وأن نكون واقعيين كذلك في رؤيتنا لهم وتوقعاتنا منهم.
هل رأيتم من قبل شخصا يبكي من قراءة آية من كتاب الله، ولا يحب الألفاظ الشائنة ويعطف علي الفقير وينصر القضية الفلسطينية ويكره العدوان الإسرائيلي لأنه ظلم ؟ ثم تجدونه زوجا قاسيا أو أبا متعنتا أو أما نمامة تتحدث في سيرة الناس، أو شخصا يقسم البشر إلي فئات ويحكم عليهم، أو مديرا يميز بين موظفيه بغير سبب، أو جار يؤذي جيرانه بالقمامة مثلا
أو شخصا يحكم علي هذا بالتقوى وذاك بالفسق وآخر يقسم الناس إلى رجعيين ومتقدمين؟
رأينا منهم الكثيربالطبع، ولما نذهب بعيدا..هؤلاء قد يكونوا أبي وأبيك وأمي وأمك وأخي وأخيك وجاري وجارك وزميلي وزميلك و..و..و..و...و....و..بل أنا وأنت أحيانا
هذا التناقض المثير للغيظ هو تناقض موجود في كثير من الشخصيات، لكنه في مجتمعاتنا المنفصمة في كينونتها يصبح متفشيا بشكل ملفت للنظر وهو أمر متوقع في بيئات لا تعرف المصارحة ولا الشفافية ولا تقبل النقد ويتحكم فيه ثقافة الوصي والديكتاتور واللوم والعتاب والإرث والعادات والخوف من كلام الناس وغيرها من أدواء مجتمعاتنا العربية ...الأمر يصبح ظاهرا جدا في مجتمعات مثل مجتمعاتنا
عندما نقول لا يصح إلا الصحيح يجب أن أذكر هذا النص لأهميته : " لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق "
وهذه العبارة الأخيرة أحب أن أحررها من تفسيرها المعتاد التقليدي الذي يحب كثير من المتدينين أن يضربوا به أمثالا حينما يذكرون العبارة هذه، فهم غالبا ما يضربون أمثلة مثل " لو طلب منك شخص ألا تصلي فلا تطيعه " وما شابهها من أمثلة محفوظة....ولكن...لنعلو بتفسير هذا النص درجة أعلي ولنقل :
عندما تساوي عبارة " لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق " ب " لا طاعة لظالم في معصية الله العدل "
تصبح العبارة أكثر فاعلية ووضوحا وجوهرا وقيمية..فلو علمنا أن كل مخلوق يظلم من حين لآخر سواء بقصد أو بغير قصد وأن الله هو العدل الذي يأمربالعدل ويحث عليه وينهي عن الظلم وجعله حراما علي نفسه وجعله بيننا محرما...عندئذ نفهم أن كل فعل أو قول أدي لظلم إنسان فهو معصية لله ولا ينبغي لك الطاعة في ذلك
وعلي محاربي الظلم أن يحرموه علي أنفسهم لا فصال في ذلك، حتى يتخلصون من بقايا الزيف التي فيهم ولكي يكونوا قدوات حقيقية تقود الناس إلي ما يصلح الناس ويرضاه رب الناس
وصدقوني أن طفلا لا يزيد علي عشرة أعوام قد يفهم بالفطرة ما هو ظلم وما هو عدل ما لا يفهمه رجل في سن الستين لكثرة ما علا هذه الفطرة من قدرة متناهية في التبرير والمناورة والتعقيد.
الذين يحبون قيمة العدل عليهم أن يقاتلوا حيث هم في تطبيق هذه القيمة وأن يثبتوا في أماكنهم التي هي مساحات تغييرهم الحقيقية، في داخل الأسرة وفي منطقة السكن وفي العمل وفي الشارع الذي تسكن فيه وفي دار العبادة التي تذهب إليها وفي النادي الذي تذهب إليه وفي المجموعة من الأصدقاء الذين تهفوا إليهم وتحبهم.
الزيف ظاهرة تأتي نتيجة كثرة التناقض ما بين ما يقال وبين ما يُـفعل ..فلو كثر تناقض الشخص كثر زيفه ولو قل تناقضه قل زيفه.
لا ينبغي لي أن أقف حكما علي الناس بكلماتي مهما كنت مقتنعاً بها، غير أنني أؤمن اليوم وبعد خبرات السنين الطويلة أنه لن يتغير شئ في مجتمعاتنا ما لم نقاتل داخل البيئات الصغيرة التي ننتمي إليها قتالا لا هوادة فيه ولا يعني هذا استخدام العنف و الحث عليه أو استخدام أساليب تسبب ضررا أكثر مما تأتي بنفع ولكن القضية من وجهة نظري، هو أن أطالب أولا بحريتي الشخصية وأتمسك بها بل وأضحي لأجلها، فلا معنى أن أعلم الناس الحرية وأنا أخشى ممارستها خشية العواقب التي يمكن أن تصيبني لو مارست حريتي.
لا يمكن أن أطلب من الناس الصبر وأنا لا أصبر وأطالبهم بالعدل وأنا أظلم وأطالبهم بالحرية والتحرر وأنا عبد للخوف وكلام الناس ونظرة المجتمع وضغط الأسرة وقسوة الحياة
كل الناس لا يتغيرون ويتحولون من سئ إلي أسوأ لأنهم يتحججون بكل ذلك ..بالخوف من المستقبل ومن كلام الناس ومن ضغط المجتمع والأسرة والحياة ولذلك تشتد مظاهر الزيف ولا يتغير أحد ولا يفعل شيئا
مجتمعات " محلك سر " تبدأ من البيت الذي تعيش فيه ولو قررت أن تتبع القاعدة – قاعدة محلك سر ويبقي الوضع علي ما هو عليه، ...فياليتك تترك مكانك في صف " المغيرين " واذهب إلي بيت أمك كما يقولون وافعل ما يشتهي الناس.
الزيف الذي تشتكي منه يجب أن ينتهي عندك أولا .....والآن
Labels: Paradigm shift