Sep 30, 2007

كيف حارب الدين التمييز...حديث عاهرة بني إسرائيل مثالا

كيف حارب الدين التمييز
نص ( "عاهرة " بني إسرائيل ) .....مثالا ً
نوع النص : حديث شريف

ودخلت الجنة في كلب

كيف يمكن لمؤمن أن يمارس التمييز وهو يقرأ حديثا مثل هذا :
بينما كلب يطيف بركية قد كاد يقتله العطش ؛ إذ رأته بغي من بغايا بني إسرائيل ، فنزعت موقها ، فاستقت له به فسقته إياه ، فغفر لها به
حديث صحيح
قال الألباني في السلسلة الصحيحة 1 / 35 :رواه البخاري ( 2 / 376 طبع أوربا ) ومسلم ( 7 / 45 ) وأحمد ( 2 / 507 ) من حديث محمد بن سيرين عن " أبي هريرة " مرفوعا . وتابعه أنس بن سيرين عن أبي هريرة نحوه . ورواه أحمد ( 2 / 510 ) وسنده صحيح أيضا
ولهذا الحديث روايات اخري لم أتحقق من تخريجها إلا أنها كلها تؤكد الحديث الأول ، والحديث الأول يكفي علي أية حال ، ولكن لمزيد من الاطلاع يمكنك أيضا أن تقرأ النصين التاليين
".. وأن عاهرة من بني إسرائيل ، دخلت الجنة في كلب كاد يموت عطشاً ، فسقته من بئر بحذائها "
ورواية أخري :
"....أن امرأة بغية ( عاهرة) دخلت الجنة في كلب ،كان عطشاناً فسقته "

إن هذا النص يلفت الانتباه إلي عدة نقاط :
1. أن معصية الزنا التي ترتكبها العاهرة معروفة وهي معصية تعتبر كبيرة من الكبائر لا خلاف علي هذا ، فهي عاهرة أي تترزق بالزنا ويشار إليها بذلك ويقصدها الرجال ويعرفونها ولها مكان ومقر استقبال للزبائن .
2. أن هذه الوظيفة التي امتهنتها هذه المرأة سواء قامت به مضطرة أو مختارة ، لم تكن كافية للحكم عليها بالعقوبة عند الله عزوجل ، بل عفا الله عنها وأدخلها الجنة .
3. أن رسول الله ذكرها وذكر وظيفتها ولم يعلق كثيرا علي الوظيفة ،ولم يقل قولا كثيرا في حرمة الزنا الثابتة بلا أدني شك .
4. أن رسول الله ذكر العمل الذي قامت به العاهرة فشرحه بشكل دقيق فقال : كلب كاد يموت عطشا ، فسقته من بئر بحذائها ، وتفصيل الحدث يوحي بأهميته .
5. أن القصة تستمد قوتها من كون المرأة العاهرة تمتهن وظيفة من أكثر المهن احتقارا ومهانة ، وفي المقابل قامت بعمل إنساني قد يبدو بسيطا لدي كثير من الناس ، لكنه عند الله عظيم عظمة جعلته يغفر للمرأة ذنبا من أشد الذنوب حرمة في دين الله ، فالحديث يتحدث عن المرأة بشكلها الإنساني ، فهو لم يشيئها ولم يصمها ولم يعيرها ، حتي فيما هو ثابت أنه صفة واصمة ألا وهي الاتجار بالزنا والترزق بالممارسة الجنسية غير الشرعية فكيف بمن لم يرتكب تلك المعصية علي الأطلاق ولا يزال يوصم بما لا يقدح ولا يعيب ؟.
6. أن العمل الإنساني لم يكن في حق إنسان بل كان في حق حيوان ، وأي حيوان ، إنه الكلب الذي يستخدم اسمه للسب واللعن والوصم كأن يقول القائل " ابن الكلب " واصفا ومعيرا وواصما أحدهم بالحقارة أو الدونية مثلا.
7. أن المرأة العاهرة " الموصومة بلا شك " قامت بعمل إنساني في حق حيوان " موصوم بلا شك " ، وكأن الوصم هي صنيعة البشر في البشر وغير البشر والله لا يلتفت إلي وصم البشر بل ينظر إلي جوهر الناس والأشياء ، إلا أن الله نظر إليها فرحمها وغفر لها وتجاوز عن ذلك لعظم ما فعلت .
8. أن حياة الحيوان مهمة لدي الله ، فما بالك بحياة الإنسان ، فقد كرم الله المرأة التي مارست جريمة الزنا وترزقت منه بحفظها لحق حياة الكلب وذلك بمغفرته لذنبها وإدخالها الجنة ، فكيف بها لو قامت بما قامت به في حق إنسان ؟
9. أن رسول الله أشار إلي العاهرة بالاسم ولم يختر قصة أخري كانت يمكن أن تكون لشخص عادي " غير موصوم " ، كأن يقول امرأة أو فلاحة أو قروية أو رجل أو فتي أو صبي ، لكنه ذكر العاهرة – تلك الموصومة التي تقوم بعمل ينكره عليها الدين والناس – ولا يتم النظر إليها نظرة إنسانية في العادة بل ينظر إليها نظرتين : نظرة المشتهي للبضاعة ، في مجرد شئ يتم بيعه وشراؤه ، و نظرة المحتقر الساخط وهي نظرة الكراهية والدونية .

هذا الحديث لا يبرر الزنا ولا يدعو إليه ولا يحبب فيه ، ولا يجرؤ عليه ، ولا يتجاوز عن جرمه ولا يهون من شره ولا حرمته ، لكنه يحدثنا عن إنسانية المرأة التي ترتكب معصية كهذه بشكل دائم ليأخذنا إلي عالم الرحمة والرفق ، ومواطن الإنسانية والعطاء بلا مقابل ، ومواضع الفهم والحكمة ، ومن الأمور التي لم يلتفت إليها الكثيرون من قبل هو أن هذا الحديث في مضمونه أيضا يمكن أن تجد فيه نفي للوصم والتمييز الناجم عنه ، وهو مدخل جديد لرؤية النص وفهمه .

ما علاقة هذا بالتمييز ؟

إن استخدام رسول الله صلي الله عليه وسلم لهذه القصة بالتحديد مهم جدا في فهم ما يحدث في في نفوس المستمعين ، ومن ثم ما ينبني عليه من مشاعر وأحاسيس مؤدية لتفاعلات واقعية مع الناس والمجتمع ، فإن الصحابي الذي استمع للتو لهذه القصة يحدث بداخل نفسه تأثيرا فوريا ثم يترتب علي هذا التأثير رؤية ما تمكن الصحابي من السير في الحياة والنظر إلي الناس بشكل مختلف تماما فيما لو لم يستمع إلي هذا الحديث تماما .

أولا : بدلا من أن يسير الصحابي في الشوارع في حالة نقمة علي العصاة وفي وضع الوصي علي دين الله الذي يريد التقاط العصاة من الطرقات وحرقهم حرقا - إن تمكن - بدعوي أنه يطهر المجتمع من " القاذورات البشرية " علي شاكلة هذه العاهرة ، فإنه يسير بنفسية أخري تماما ، وعقلية مختلفة عما هو مألوف أو متوقع ، فهو يمشي بين الناس متواضعا لا يحكم عليهم حكما مبدئيا لمعرفته عنهم شيئا واحدا أو صفة واحدة ، حتي لو كانت هذه الصفة حراما أو كبيرة من الكبائر ، فهو لا يقرهم عليها ولكنه لا يفترض أنه أحسن منهم ولا يمارس معهم إجراءات تمييزية تحرمهم من حقوق أخري ، أو تنتهك إنسانيتهم بدعوي تأديبهم ، فهو يتلمس لهم العذر أكثر من أن يصطاد لهم في الماء العكر ، وهو يعينهم علي الاقلاع عن المعصية لأنه يؤمن بأن فيهم خيرا كثيرا وأنهم بشر لهم مشاعر وأحاسيس وفيهم نقاط الضعف والقوة .

ثانيا : أن الصحابي يفهم أن لله نظرة أوسع وأعدل في شئون الناس من نظرته – أي الإنسان - القاصرة التي تري زاوية محدودة من هذه الشئون ، وهو هنا يعرف أن الله يأمرنا بأن نكون أكثر سعة في فهم هذه الزوايا المتعددة وأن تكون وسيلة تعيننا علي التعامل مع الناس ، وسيلة يقل فيها " الحكم المبدئي " علي الناس من صفة واحدة وتجاوز ذلك إلي فهم كليات الإنسان ، فعلي الرغم من أن العاهرة زانية تتاجر بالجنس إلا أنها ربما كانت أما ترحم أولادها وامرأة ترعي جيرانها وسيدة تعين الفقراء وامرأة رق قلبها لكلب فسقته فدخلت الجنة بهذا .
فإن كان الوضع بهذه الصورة مع مرتكبة الكبيرة الجاهرة بها ، فكيف بمن لا يرتكب حراما ولا يؤذي أحدا وعلي الرغم من هذا يعيره الناس بما ليس فيه عارا ويصمونه بما لا وصم فيه ولا يميزون في معاملته فيظلمونه ويحرمونه ويحكمون عليه أحكاما مبدئية حاسمة وقاضية وهي ظالمة جائرة بلا أدني شك .
وكما قلت سابقا ، المسألة ليست فيها تهوين من معصية الزنا ففي الزنا ما فيه من نصوص محرمة ومجرمة ومحذرة ومنذرة ، لكن القصة في الحديث موضوع النقاش تتجاوز ذلك لنقطة أخري هامة ألا وهي " الإنسان بكلياته " لا الشخص بصفة وحيدة فيه ولو كانت سيئة .

ثالثا : أن الصحابي الذي يسمع هذه القصة فيفهم منها ما فهم في النقطة الأولي والثانية ، يفهم بالتالي أن الذين لا يرتكبون المعاصي جهرا ولا يفعلونها تحديا هم أولي بألا يوصموا ولا أن يمارس ضدهم أي نوع من أنواع التمييز .

رابعا : أن الصحابي لن يبحث في النصوص القرآنية ولا الأحاديث الشريفة عما يبرر له التعاظم علي خلق الله والحكم عليهم ووصمهم ومن ثم التمييز ضدهم ، بل علي العكس يقوم بخلق عقلية جديدة فيه تتيح له العيش بنفسية متآلفة مع الناس داعية لهم إلي الخير لا حاكمة عليهم بالويل والثبور ، هذه النفسية تبني مجتمعات تخلو من وصم أو تمييز ، فأنت لست في حالة اصطياد للعصاة ومنعهم من ممارسة حقوقهم الكثيرة ، فكل الناس عصاة ، بل هو معين للناس علي البناء ، فهو ليس "التقي حامي حمي الله " ضد " العاصي المستحق لعقوبة الله " ، بل هو الإنسان المؤمن الفاهم لحكمة خلق الله المعين للناس والداعم لهم والباحث عن حسناتهم لا المتصيد لسيئاتهم ، والباحث فيهم عن الخير بما يعطيهم أملا في أن يكونوا أفضل وأقرب إلي الله وهو أدعي للتوبة والإنابة وترك المعاصي .

Labels:

Sep 29, 2007

من المرجعية الإسلامية ...أكتب

ستة مواضيع ، كتبتها منذ أسابيع وكانت نتاجا لمواقف حقيقية تعرضت لها علي المستوي الشخصي والفكري والمعيشي وغيرها من مستويات ، وضعت البعض بالفعل علي المدونة فكتبت منها ثلاثة وقرئتموها
...............................................
وتبقي ثلاثة لم تقرئوها بعد
كيف حارب الدين التمييز : حديث " عاهرة " بني إسرائيل ..مثالا-
إرادة الفعل : لماذا لم تنجح ثمانون سنة من " الصحوة الإسلامية " في تغيير المجتمعات إلي الأفضل ؟-
المواطنة لا الذمة ، والحقوق لا العقائد-
......................................
وثلاثة أجهز لها ولم أكتب فيها إلا ملامح أساسية فقط وتحتاج إلي مزيد من البحث
تركيا :نصر أوردوغان صنيعة أربكان-
قراءة في تاريخ المجتمعات تحت حكم الصلبيين والمسلمين-
الإدمان : المخدرات ، الجنس ، السجائر ...والدين أيضا-
....................................
كل محاولاتي في الفهم والتنظير كانت ولا زالت تستمد مرجعيتها من أصول الإسلام بغض النظر عن مدي صحتها أو خطئها ،ولم أدعي يوما اني أمتلك الحقيقة او أني امتلك افضل الافهام والتفسيرات لهذه الاصول ولا أعبر عن أي مدرسة أو شخص أو جهة ، بل أعبر عن نفسي فقط ولذا لزم التنويه

Labels:

طق حنك ..يعود


إن كان " للعدالة للجميع " أي فضل أو أثر أو دور أو إضافة أو إنجاز أو بصمة فإن الفضل بعد الله يعود لشخص وشخص واحد فقط وليس أحد غيره

فصاحب مدونة طق حنك وهو من أوائل من دون في مصر وربما في العالم العربي كان ممن ألح علي كثيرا للتدوين وكنت أتجاهل ذلك لاعتقادي ان التدوين ليس لي ولست ممن سيكتبون شيئا له قيمة وكنت حينها مشغولا بالكتابة في المنتديات


محمد انقطع لفترة طويلة ربما زادت علي السنة وله اسبابه التي لا اعرفها شخصيا ولكنه عاد مؤخرا وأتمني أن يستمر في الكتابة

لكم أن تعرفوا أنه ممن أسس في كثير من العلوم ، فهو قارئ جيد ومحلل ممتاز وناقل أخبار محايد وشخص تفخر بمعرفته

فقط أحببت أن أسجل علي صفحات " العدالة للجميع " أن فضل وجودها بعد الله ...يعود فقط ..وأكرر ..فقط ...ل "طق حنك " ..حمدلله علي السلامة يا باشا

:))

Labels:

Sep 16, 2007

تدينكم ....يظلمني

لنجعل رمضان شهرا نتحدث فيه عن القضايا الاجتماعية الحقيقية
سألت نفسي لماذا تمتلأ المساجد بالمصلين في رمضان وتخرج المصاحف في كل وسيلة مواصلات وعلي كل ناصية وفي المحلات ولماذا تمتلأ الفضائيات بالدعاة والبرامج الدينية ، ولماذا يحدث هذا لعقود من الزمن والناس يدخلون رمضان ثم يخرجون منه وهم أسوأ حالا ، فلا تحسنت أحوالهم ولا تبدلت أوضاعهم ولا تغيرت معاملاتهم
عندما تأتي إلي مصر من أي دولة غربية تشعر كأنك - ومن شدة مظاهر التدين الاسلامي او المسيحي - إن الله يحيا في قلوب الناس وهو معهم في بيوتهم ومساكنهم وأعمالهم
وفور أن تعيش في مصر لعدة أشهر تري ان الواقع مختلف اختلافا كليا عن المشهد الأولي
فالزيف بلغ الحناجر
والناس ضاقت ذرعا بالعيش فهم يدمرون معايشهم وأمالهم وأنفسهم ومستقبلهم بأيديهم
والشك والريبة وقلة الثقة هي اللغة التي يستخدمها الكل
والتجمل الاجتماعي لتخبئة الدمار الحقيقي الذي بلغ سوسه الي البنية التحتية والقيمية للمجتمع بشكل مفزع ومقزز
تجد السبوبة والبلطجة والهرجلة والسفسطة والتسليك
تجد العادات والتقاليد الجائرة التي تحل محل الدين وتفرض نفسها بسلطة ربانية لا تفهم من اين جاءت
فكل شئ مناف للعقل ومناف للدين
لكن الكل يبرر
صليت التراويح في مسجد من المساجد التي اكتظت بالمصلين
وكان تالي القرآن ذا صوت جميل
ولزمن بعيد كنت اريد ان اسمع القران وفقط من شخص اخر وفي رمضان بعد سنين من الغربة
الا ان الدرس الديني الذي تبع الصلاة
دمرها لي تماما
فهو الكلام المكرر الذي يحول الناس الي اشباح دينية مخدرين لا يعرفون ماذا يريدون من هذه الدنيا
كان كلام الله كافيا
وجاء الشيخ فوضع عليه لفه وتفسيره وسفسطته وفلسفته وقصص الاولين والاخرين
انتهي الشيخ في النهاية الي ان الذي صلي اليوم معنا قد اصطفاه الله
والباقين في غفلة لاهون
وانتهي ايضا - وبعد ان كرر كل الاحاديث عن فضل الاجر في رمضان - الي ان الناس لا يتغيرون برمضان ثم يشرح
وعندما شرح يجب ان تعرف انه عندما ينتقد الناس لعدم التزامهم سينكر عليهم أصلوا في جماعة ام لا ام تحجبت النساء ام لا ونفس الاسطوانة المشروخة
كنت اريد ان اقول له ياشيخ
ااخبرك عن ظلم جاري لي؟
وعن الذي سرق مني رزقي ؟
وعن الذي وصمني فحرمني من حق من حقوقي؟
ام احدثك عمن يتودد لي بكلام الله يريد مصلحة دنيوية؟
ام احدثك عن داعي او شيخ يعظ علي المنبر ما لا يقوم به في بيته ؟
عماذا احدثك يا شيخ ؟
يا شيخ
ان الناس كلهم متدينون
ولو جلست في اي قهوة يا شيخ
سيسمعون لك فضل رمضان
وشهر رمضان
بل ويمسكون المصاحف
يا شيخ
حدثتونا عن الصحابة وانا وانتم وكلنا نستخدم قصصهم افيونة لنتذكر المجد التليد ونظل نعيش في اللا حياة واللا موت
يا شيخ تعالي احدثك عن الدين
واسمع يا شيخ
واسكت حتي انتهي
يا شيخ ما رايك في بلاد
اذا ظلم القوي فيها الضعيف اخد الضعيف حقه من القوي
واذا اجتهدت كوفئت وزادوك تعويضا حتي تحب الحياة وتريد البناء
والزواج فيها بخاتم من الحديد كما كان يفعل الصحابة
والناس لا يتدخلون في شئونك ولا يفرضون عليك وصاية مجتمعية ولا يصمونك
والله في القلوب قبل اللسان
والحقوق مصانة
والاعراض محفوظة فلا تحرش مثل الذي اراه في شوارع مصر
يا شيخ
قل لي بربك
لماذا وعظتنا الف سنة فلم يتغير الناس
تصارح مع نفسك ياشيخ
بربك
وكفاكم بربي كفاكم
كفرت بتدينكم وفوضت امري الي الله
ان تدينكم يفسد علي معايشي ويقطع رزقي ويكرس الكراهية ويصنع الطبقية ويرفع التافه ويقلل من شأن الجاد
ان تدينكم ظاهري قصصي تراثي لا حياة فيه ولا امل فيه
ان تدينكم تدين الهوية الفارغة من المحتوي والمضمون والروح
يا شيخ
متدينوكم ينقضون حق الجار
وحق المار في الطريق
وحق الوظيفة
وحق الزواج
وحقوق لا حصر لها
ما آذاني احد قدر ما آذاني المتدينون
وبعد صلاة التراويح
يخرج اب مع ابنيه
ست سنين وسبع سنين
وكان هناك فتي يبدو عليه الجنون
فقام واحد من الولدين بالسخرية منه
والاب يضحك
ثم قام الفتي المجنون بتناول صخرةمن الارض ليشوح بها ليبعد عن نفسه اذي الصبي
ثم يضحك الاب ويقول لابنه
ابعد عنه لحسن يعورك
نعم
هكذا يعلم الاب الذي زبيبة صلاته اكبر من جبل أحد علي راسه
يعلم ابنه ان يكف عن ايذاء الفتي المجنون والا اذاه المجنون بحجرة
فقط
لم يعلمه
يا بني اتقي الله
هذا انسان
لا تسخر منه
عامله بالحسني
فهو غالي عند الله مثلك
سبحان الله
منا من صام 20 رمضان او 30 رمضان او 40
قولوا لي لماذا لم يتغير أحد؟
بربكم
قولوا لي
حسبي الله ونعم الوكيل
بحق
تدينكم ...يظلمني

Labels:

Sep 14, 2007

الوصم : ثقافة تلخيص الإنسان في كلمة

ليكن رمضان شهرا نتحدث فيه عن الظلم الاجتماعي
الوصم : ثقافة تلخيص الإنسان في كلمة
الواصم والموصوم ومحارب الوصم في قارب واحد

تعريف وإيضاح

للوصم تعريفات كثيرة ومتباينة ولكنها تشترك جميعها في كونها تعريفات واصفة لهذا الإحساس الكامن في نفس الواصم أو الفكرة القابعة في اللاشعور والتي تقوم بالحكم علي الناس مسبقا بدون اختبار لكفاءاتهم وخبراتهم وكأنها لم تكن ، وبدون أي اعتبار لإنسانيتهم وحقيقتهم وما يمثلونه وما قاموا بإنجازه في حياتهم . وقد يكون الوصم اجتماعيا تعييريا ليس بسبب عيب أو ذنب أو عار بل بسبب ما تحولت إليه الصفة " الوصمية " بفعل الزمن إلي " عرف مقبول بين الناس " يمكن استخدامه كوسيلة تعيير و أسلوب إعاقة يدفع أعضاء المجتمع إلي استخدامها – أي الصفة الوصمية – للتأثير علي بعضهم البعض بقصد وبغير قصد ليحول بين الشخص وبين قدرته علي التفكير المحايد .

جريمة يومية وثقافة موروثة

وهو جريمة يومية يرتكبها الكثيرون ضد الكثيرين من مختلف المستويات الاجتماعية والثقافية في مجتمعات العالم المتعددة ، تصل شدتها ووضوحها أحيانا إلي أن يكون هذا الوصم مقننا ومؤطرا في قواعد وقوانين مكتوبة ، إلا أن إزالة القوانين الواصمة تكون دائما أسهل من إزالة مشاعر الوصم وأفكار التمييز من الثقافة ككل . فإن أشد أنواع الوصم هي التي يتوارثها الناس من جيل إلي جيل ويقومون بغرزها غرزا في ضمائرهم حني تصبح جزءا من تكوينهم وعاملا يسهم في طريقة تفكيرهم .

في الشارع والمنزل والمقهى ومكان العمل

تجد إرهاصات الوصم وتطبيقاته العملية في الشارع وعلي ألسنة الناس كما يمكن مثلا أن تراه في أعينهم . تسمعه مثلا علي لسان إنسان يريد أن يحقر من شأن شخص آخر فيقول عبارة مثلا مثل " هذا ابن بواب " مستدلا منها علي حقارة مستواه الاجتماعي أو الثقافي أو الاقتصادي .

تسمعه من آخر يقوله لزوجته وهو يلخص مثلا شخصا تقدم لخطبة ابنته الطبيبة في عبارة من ثلاثة كلمات ، محاولا تبرير أنه لا يصلح زوجا لابنته فيقول :" هذا خريج خدمة اجتماعية " مستدلا بها علي عدم مكافئته لابنته لأنه حاصل علي شهادة دون شهادة ابنته التي تخرجت من كلية الطب " المرموقة اجتماعيا " في دولة مثل مصر مثلا ، وكأن هذا يكفي أن يكون الحكم الوحيد علي الشاب الذي تقدم للفتاة بدون النظر إلي أي مسألة أخري .

تسمعها من ثالث يجادل صديقه حول تبريره للتحرش اللفظي بفتاة في الطريق عندما اعترض عليه صديقه ، فتجده يبرر ذلك بقوله " لكنها تستحق فهي لا ترتدي غطاء الرأس " .

ومن رابع يري فتاة ترتدي غطاء الرأس وربما يعمل في مؤسسة تعليمية أو إعلامية هامة وله صولات وجولات في محاربة الوصم ، إلا انه فور أن يري تلك الفتاة يصمها " بالمتخلفة " لأنها ترتدي غطاءا للرأس ويعتبره هو رمزا لحجب العقل والفكر والفهم .

ومن خامسة ترفض لابنها الزواج من مطلقة لأنها " مستعملة " ، ومن سادس ينظر إلي السود علي أنهم " قذارة " فيأبي تزويج ابنته لشاب أسود من النوبة مثلا .

ومن سابع يعتبر أن ساكني المناطق الشعبية " متخلفين وغوغاء " ومن ثامن يري أن سكان صعيد مصر " ذوي عقول متحجرة " ، ومن تاسع يعتبر أن المسلم " إرهابي " ومن عاشر يعتبر أن المسيحي " عدو للوطن " وقس علي هذا ما شئت .

الوصم : أحكام مبدئية إقصائية

قد يوجد الوصم في بعض الثقافات أحيانا في شكل " الأحكام المبدئية الإقصائية " . ولأشرح هذا العبارة علي أن أضرب مثلا . فتاة أعرفها منذ عشر سنوات تزوجت في عامها الثاني والعشرين من شاب رأي أهلها أنه مناسب لا لشئ إلا لأنه لم يسبق له الزواج من قبل ، ورفضوا شابا آخر تزوج من قبل وماتت زوجته وأصبح أرملا ، ولما أن كان أن تقدم الاثنان في وقت واحد ، كان سبب رفض الشخص الثاني - حتى من غير التقصي عن أخلاقه وتعليمه وأفكاره – كان الرفض من الباب أي قيل له أنت غير مرحب بك البتة . تزوجت الفتاة " الشاب المناسب " علي حسب ما وجد الأهل ووجدت هي ثم اكتشفت بعد شهور عنفه الشديد ، حيث كان يضربها بقسوة كلما اختلفا حتى كاد أن يقتلها في مرة من المرات ، وحينها طلبت الطلاق وذلك بعد سنة واحدة فقط من الزواج .
لكن الترياق الذي شربه الرجل الأرمل لم يشربه وحده فقد تجرعته الفتاة كذلك ، حيث أنها دخلت في مجموعات " الموصومين " وأصبحت عبئا علي والديها الذين وصما هما أيضا الشاب الأرمل ، ومكثت بلا زواج حتى سن الثلاثين من جراء لقب " مطلقة " .

الوصم صناعة محلية وليست استيرادا أجنبيا

إن هذا الوصم البشع في شكله اليومي يمارسه الجميع ضد الجميع وهو موجود في أشكال متعددة ونماذج متنوعة وتطبيقات يومية لا تخفي علي أحد . يقف البعض أحيانا في منطقتنا العربية ليشير إلي الولايات المتحدة الأمريكية مثلا وتاريخها الأسود في الوصم والتمييز مع المواطنين السود وينسون أننا غارقون فيه حتى قمة الرأس يكاد يأكلنا وينهش فينا بشكل يومي ومرعب .

هذه الأعمال نجمت في الأصل عن الوصم أو عن هذه المشاعر الكامنة والأفكار المزروعة في عقول الكثيرين وتحول مع الوقت إلي حقيقة لا يمكن نقاشها أو الرد عليها وسببت تمييزا في المعاملة بناءا علي هذا الوصم وهو في الغالب يستخدم لتلخيص الإنسان كله في كلمة أو وصف أو عبارة لتبرير الفعل التمييزي الذي عادة يكون ظالما وغير موضوعي وهو عادة يتبع الوصم مباشرة .

محاربو الوصم يقعون في الوصم أيضا

الوصم يقوم به كل الناس حني الذين يحاربون الوصم أحيانا ، وفي الحقيقة هذا شئ طبيعي ومتوقع ، وهو موجود في أكثر بقاع الأرض ، وفي كل منا درجة من درجات الوصم بشكل أو بآخر ، علما بأن الوصم لا يكون وصفا بشئ يعيب أو يعير أو ينقص من شأن الإنسان

الأغرب هو ألا يفطن الإنسان المحارب للوصم في مجال ما إلي عموم الوصم في شتي أشكال ومناحي الحياة ، وينسي أنه هو شخصيا قد يكون مرتكبا لجريمة الوصم في مجال آخر ، فالوصم ثقافة عامة وهي موجودة في مناحي الحياة المختلفة وبلا شك ، والأخطر من هذا أن محاربي الوصم في مجال أو آخر يظنون أنهم متعافون من شره وناجون من ضرره .

كل إناء بما فيه ينضح ، هكذا قال المثل العربي الشهير وهو مثل حقيقي لأبعد الحدود . فإن كأسا من الحبر لا يمكن أن يسكب ماءا ، وإن قلبا يمارس الوصم هنا أحيانا لا يمكنه أن يحاربه هناك في مجال آخر بشكل حقيقي وفعال .

تناقضات في مجتمع محاربي الوصم

كيف يمكن مثلا لشخص يحارب الوصم الذي يصاحب فئات معينة في المجتمع ويبذل المال والجهد ويتعلم وسائل الإقناع المختلفة – كيف له أن يمارس درجات أخري منه في مجالات أخري من الحياة بوعي وبلا وعي ؟
هذا يعد نوعا من النفاق أو قل نوعا من الازدواج .

كيف لإعلامي يصم المحجبات بالمتخلفات ويريد أن يدفع شر الوصم عن فئات أخري من المجتمع ويصول ويجول رافعا راية نبذ الوصم ؟
وكيف لمثقف يصف المتدينين بالرجعيين ويصمهم بالجملة ثم يريد أن يشارك في رفع الوصم عن فئة موصومة أخري في المجتمع ؟
وكيف لقائد ديني من أي دين كان أن يعظ الناس بما لا يقوم به هو ، خاصة في مجال الوصم فهو يريد أن يرفع الوصم عن المتعايشين ويأمر الناس به ثم هو لا يطبقه علي نفسه وأهله ؟

المسألة واضحة جدا ، ودعونا لا نجملها ولا نغطي عورتها . إن الوصم يسهل الحديث عن شره ومناقشة أضراره ودعوة الناس إلي نبذه ،ولكن الوصم أيضا يصعب التخلص منه علي المستوي الشخصي – إن كان موجودا عند محارب الوصم مثله مثل أي إنسان آخر يقوم بالوصم في المجتمع - طالما أن الموصوم الذي ندفع عنه الوصم ليس في علاقة خاصة أو مباشرة بمحارب الوصم . ولذا إن كنت محاربا للوصم ، فتحدث عن الوصم ولا حرج وقل فيه شعرا وخطبا واكتب برامجا واعط محاضرات بل وترزق من محاربته أيضا ، ثم اختبر نفسك في أول موقف توضع فيه مباشرة مع موصوم من الموصومين ، وعندها ستعرف مدي مصداقية كراهيتك للوصم من عدمها .

تري هل يستطيع مثقف من المثقفين أو قائد ديني أو علماني أو إعلامي ممن يملئون الدنيا ضجيجا حول ضرر الوصم مثلا في قضية الأيدز ، هل يقبل تزويج ابنه أو ابنته لمتعايش مثلا ؟
أو يدخله بيته ويؤاكله ويجالسه بلا أدني حرج ؟
وكيف يطالب المجتمع كله بأن يكون أكثر عدالة في الحكم وأكثر رحمة في المعاملة وهو أو هي لا يستطيعان تطبيق ذلك في محيط البيت الذي يعيش فيه ؟
ولما نذهب بعيدا ، وقد رأينا من هؤلاء من يقوم بالوصم مباشرة والتنميط بلا أي تردد في مواقف أخري وأناس آخرين ومواضيع أخري .

الوصم : يستتر بالدين أحيانا

الوصم كل لا يتجزأ من وجهة نظري وهو حالة ثقافية عامة يعاني منها مجتمع أو شعب أو أمة ، والأخطر منه هو تقديسه وتخبئة جرمه بالنصوص الدينية والكتابات المقدسة من الأديان ، فهذا وصم مركب ومتمسح بالذات الأعلى التي يستمد منها المؤمن صيرورته وحكمة بقائه وفهمه للحياة ، وهو وصم يصبح أكثر تعقيدا وأشد محاربة لتستره بستار القدسية ، و الله أبعد ما يكون عن هذا الوصم ، إلا أن الواصمون يستخدمون الله كما يستخدمون أي شئ آخر لتبرير وصمهم هذا .

الوصم : تحسبونه هينا وهو عند الله عظيم

الواصمون أنواع ولكنهم يشتركون في شئ واحد وبلا شك ، ألا وهو الضرر الذي يوقعونه علي ضحاياهم ، فبينما يلخصك الواصم في كلمة ويتركك وكأن شيئا لم يكن ، يحول حياتك إلي جحيم أو يجعل الحياة مرهقة من حيث لا ينبغي . فبينما يمضي الواصم وكأن شيئا لم يكن ، يترك خلفه حطام إنسان لا يلقي له أحد بالا . إن مشكلة الوصم لا تقف عند الصفة الواصمة بل تتعداها إلي التمييز في المعاملة التي تصاحب هذا الوصم وتضع " الموصوم " في خانة غير المرغوب فيهم .

الوصم : التنميط المؤدي إلي التمييز

الوصم يقوم " بتنميط " الموصوم وإلحاق صفات قادحة أو مشككة أو معيرة للموصوم وهو وهم يصطنعه الواصم من صفة أو صفات ليست بالضرورة معيبة أو معيرة أو سيئة في حد ذاتها وهو نوع من التعميم يتحول إلي شكل من أشكال التنميط أو ما يسمونه بال "ستيريو تايب " ويترتب عليه إقصاء للآخر " الموصوم " عن المشاركة في أنشطة عادية يسمح لغير الموصوم بالمشاركة فيها وأضرب مثلا بذلك في التوظيف وهو ما يمكن أن تراه واضحا في بعض الحالات المسجلة في الولايات المتحدة الأمريكية حول التمييز المبني علي الوصم في منع توظيف المؤهلين من حصولهم علي أعمال معينة لأنهم موصومون.

حيث تقوم شركة بالدعوة إلي توظيف عدد ما من الناس لوظائف ما وتقوم بوضع إعلاناتها في الجرائد والصحف ويكون الشرط الأول الذي يمكن الشخص من الحصول علي الوظيفة هي الكفاءة وليس الدين أو العرق أو القومية أو اللون أو الجنس أو حني الحالة المرضية .

يتقدم عربي مثلا اسمه طارق بطلب مقابلة وعرض إمكانيته علي الشركة في شكل مقابلة يتم فيها مناقشة محتويات ما كتبه في صحيفة الخبرات الخاصة به " CV/Resume "
ثم يفاجئ بأنه تم إقصاؤه فقط لأنه عربي أو لأنه مسلم أو لأنه ربما يكون "إرهابيا" أو ربما لأنه "لن يتحدث الانجليزية بشكل جيد " في النهاية كلها أحكام مسبقة لم تتح للشخص أن يتم مناقشة انجازاته وخبراته بل تم تلخيصه في كلمة ثم استخراج حكم نهائي عليه وإعدام فرصته في الحصول علي وظيفة كان يمكن أن يكون أفضل من يؤدي فيها.

وفي مصر مثلا يتم إقصاء طالبي الوظائف في بعض الأماكن بناءا علي دينهم فلو كان صاحب العمل أو مسئول القرار في التعيين مسلما ربما يقصي المسيحيين الطالبين للتوظيف دون النظر في صحيفة خبراته والعكس يحدث أيضا عندما يقوم بعض أصحاب العمل المسيحيين بإقصاء مسلم من فرصة التعيين لكونه مسلم.

هذا وصم واضح ، بل ووصم بما ليس فيه عيب ،ولكن انظر كيف جاء في منطقة الوصم بالدين مثلا وهو موجود في كل مكان ولكنه يكثر في منطقتنا العربية ويتم تبريره أحيانا بتفسيرات مشوهة لنصوص مقدسة ، أو باستلهام الأجر من الله في فعل كهذا وكأن الله رب المسلم فقط أو المسيحي فقط .

الوصم : " تشيئ " الإنسان

الوصم يلحقك قبل أن تأتي أنت بما تملكه ويمكن أن تقدمه.
الوصم صفة تلخصك في كلمة تسحق فرصتك في محاولة عادلة للحصول علي حق من حقوقك أو من خوض تجربة يمكن أن تثبت فيها نفسك.
الوصم هو تحويل كل ما تحلم به وتتمناه وتقدر علي فعله إلي لا شئ علي الإطلاق .
والوصم هو تقليصك إلي عبارة من كلمة أو كلمات ليست بالضرورة سيئة لكنها كافية لإقصائك .
الوصم هو الوصف بصفة تبسط تعقيداتك الكلية وتسطحها لتحولها إلي كلمة لها مدلولات كثيرة يكمن فيها كلها حكما مسبقا عليك بشكل ظالم وجائر .

الوصم موجود في التوظيف وفي مسائل الزواج وفي التسكين وفي البيع والشراء وفي كل شئ
وقد يكون الوصم موروثا اجتماعيا أو دينيا وقد يكون ابتداع الساعة أو قد يكون وجهة نظر شخص ما وليست مسألة عامة يشاركه فيها كل إنسان

الوصم : جزء من ثقافة أكبر

الوصم يجب أن ينظر إليه في ضوء العمومية المجتمعية ، وليس فقط في حدود المنطقة التي نحارب فيها الوصم .
إن الذين يعيشون بشكل من أشكال الوصم والحكم المسبق علي الآخرين ويكون معهم في عقر بيتهم ، لا يمكنهم محاربته في الشوارع وعلي المنتديات وفي أماكن التجمعات.
إن الذين يريدون أن يحاربوا الوصم بحق عليهم أن يعترفوا بأنهم يمارسون قدرا منه تجاه الآخرين ويعرفوا أنهم إن لم ينجحوا في الاعتراف بذلك بل وعلاجه فلا معني لأي معركة يخوضونها خارج أسوار كينونتهم مع الآخرين

لأنه من لا يستطيع أن يتغلب عليه في نفسه فكيف يريد أن يتغلب عليه في نفوس الآخرين ؟

الوصم ليس فقط كلمة من ثلاثة أحرف بل هو جريمة تحرم الملايين من الناس يوميا من الحصول علي احتياجاتهم المشروعة وتضيق عليهم المعيشة

سواء كان الوصم بمرض الأيدز الذي يحرم المتعايش معه من حقه المشروع في الوظيفة والزواج و السكن والمعاملة الحسنة وغيرها من أنشطة الحياة الطبيعية ، أو كان وصما يسبب تعييرا اجتماعيا يصاحب بعض فئات المجتمع الأخرى مثل حاملي شهادات معينة أو ساكني مناطق معينة أو أصحاب عقائد معينة أو ذوي حالات اجتماعية معينة مثل الطلاق و الترمل وغيرها أو أصحاب توجهات أيديولوجية معينة أو ذوي لون بشرة معينة أو أصحاب مهن معينة .

الوصم : جريمة إنسانية ومعصية دينية

الوصم جريمة ترقي بأن تكون إثم عظيم وظلم مبين ونفاق مقزز يجب الوقوف أمامه ومحاربته.
إن الله يحرم الظلم علي نفسه ويجعله محرما علي عباده ، وما يؤدي إلي ظلم فهو ظلم أيضا ، وكل وصم أو توصيف أو تنميط أو تعريف أدي إلي مظلمة أو منع إنسانا من حق مشروع له أو جعل حياته أكثر صعوبة أو مشقة أو اضطره إلي ما لا ينبغي لانعدام ما كان حقا له بمنع الآخرين الواصمين له ، أو أقصاه من عمل ما أو نشاط ما أو طلب ما أو فرصة ما أو محاولة ما لكونه موصوما – يصبح حراما وإثما ، فليتق الواصمون الله وليعرفوا أنه محاسبهم علي ظلمهم .

الوصم : "عرف " يفسد الذوق الشخصي

عندما يورث المجتمع مجموعة من العادات غير الممتحنة أو المنقحة من جيل إلي جيل فإنه يقوم بإفساد الذوق العام لأهل هذا المجتمع ويرسخ في أذهانهم " تعريفا جديد " لما هو " مناسب " و " غير مناسب " . وعندما يكون التعريف المورث مؤسسا علي ثقافة وصمية في الأصل فإن الذوق الشخصي للفرد يصبح فاسدا هو الآخر ، فلو توفرت للشخص العاقل الناضج المعلومات الكافية حول وضع ما في المجتمع أو مجموعة ما من الناس في هذا المجتمع ثم يلتفت هذا الشخص حوله ليبحث عن موافقة من مجتمعه فيما لو اتخذ رأيا مخالفا لمجتمعه ، أو يقارن ما يعرفه بما ورثه من مجتمعه ، فإنه يثقل عليه الاختيار ويصبح في حيرة من أمره وقد يصل به الأمر – علي الرغم من نضوجه وفهمه – إلي اتباع ما تعارف عليه المجتمع تجنبا للمشاكل أو عدم القبول .
والأشد من هذا هو أن يفسد ذوق الشخص نفسه فيري أن ما توصل له المجتمع – بناءا علي وصم وتنميط معين – هو الحق المبين والاختيار الصحيح .
إنك إن تعودت علي رؤية اللون الأحمر في الشوارع والبيوت وفي الأزياء ورأيت الناس يقولون لك أنه من تجربتنا وجدنا أن اللون الأحمرهو اللون المفضل وجلسوا يبررون ذلك لك ، اعلم أنه ينقصهم تجريب اللون الأزرق والأصفر والأخضر والبرتقالي وغيرها من الألوان.
إن دعوي المجتمع أنه " ادري " بما هو مناسب وغير مناسب ومن ثم وضع قواعد مسبقة للحكم علي الأشياء والأشخاص هو ظلم مبين يفسد ذوق الفرد في المجتمع ويجعله عبدا لتجارب يسميها المجتمع خبرات ويورثها علي أنها دين أو معلوم منه بالضرورة وهي إن دلت فإنما تدل علي فقر هذا المجتمع وشدة وصمه لكل ما خالف ما كان أصلا ولو لم يكن له أو فيه حق .

مصارحة مع محاربي الوصم

ولا ينبغي أن يكون فيمن يحارب الوصم من يمارسونه هم أيضا دون المصارحة معهم بأنهم يحملون نفس الداء الذي يبذلون فيه الوقت والجهد والمال لمحاربته

‌You can't fight stigma in the stairways if it lives with you in your bed room.

فعلي محارب الوصم الصادق أن يمتنع عن ممارسته ضد الآخرين ، وعليه أن يعامل الناس بكلياتهم و كل ما يمثلونه وما يحملونه ويتعامل مع كل إنسان كإنسان ولا يعمم ولا يصدر أحكاما مسبقة كلية ولا يقف مع الواصمين الذين يريد منهم منع الوصم والتوقف عنه .
إن كل منا يحمل درجة من هذا الوصم في نفسه ، ولا بأس ..ولكن البأس في أن تظن أنك معافى وأنه أمر مبرر ومشروع لك غير مشروع للآخرين .

محاربة الوصم تبدأ من ها هنا : النفس

في الغالب ستجد الموصومين ببعض الصفات ، يقومون بعملية الوصم تجاه فئات أخري بصفات " وصمية " أخري ، ولذا فإن الثقافة " الوصمية " لاتزول بل تزداد رسوخا ، فعلي من بذل نفسه ووقته وماله لقضايا تتعلق بمحاربة الوصم فيما يتعلق بمرض الأيدز أن يكون ممن يحاربونه بصدق في قضايا أخري لأنه
إن لم تستطع أن تحارب الوصم في داخلك فتأكد أنه من الصعب تغييره في الناس

Labels:

Sep 11, 2007

ولقد بدأ ......


Pic's Credit
لست أدري ماذا صنعت فيما قبله ولا ما سأصنع فيه ، لكنني أعرف أنني لست مستعدا له علي كل المستويات
رمضان حل وقته وحلت معه أشياء كثيرة
رمضان لا يغيرني
فهو شهر مثل سائر الاشهر
ورب رمضان هو رب سائر الاشهر
في رمضان أجر مضاعف ونفحات وليلة القدر
والذي يختلف في كل ذلك
هو نفسي
نفسي إما ان تدخل الي عالم رمضان
فتخرج منه افضل
او اسوأ
فالمسألة ليست في رمضان
وحسب
بل في النفس التي تدخله
كل عام وانتم بخير
لا تتكلوا علي رمضان
بل اتكلوا ...علي الله

Labels:

Sep 1, 2007

المناط التاريخي : مدخل لدراسة مقاصد الشريعة

المناط التاريخي : مدخل لدراسة مقاصد الشريعة

ضرورة لفهم النصوص ، لا رفاهية من رفاهيات عصور الحداثة و ما بعدها


مقدمة لا بد منها

ماذا لو بعث محمد صلي الله عليه وسلم في القرن التاسع عشر الميلادي ؟ أو تنزلت أصول الإسلام في عصور الحداثة أو ما بعدها ؟
تري أهذا سؤال ترفيهي من أجل التنظير والسفسطة الفلسفية أم هو سؤال مقصود منه فهم موضوع مقالتي وعنوانها وخاصة عبارة " المناط التاريخي " ؟
التاريخ يقول أن محمدا قد بعث ومات منذ أكثر من 1400 سنة .
والقرآن نزل في نفس الوقت وما معه من أصول وتقنينات عامة وأطرية .

لكن سؤالي السابق يمكن الإجابة عنه من وحي عبارة رنانة ذات وقع خاص علي نفس كل مسلم ، تحولت إلي شعار براق يستخدمه الكثيرون من أتباع الاتجاهات الدينية ، يقول الشعار : الإسلام دين صالح لكل زمان ومكان .

ولو صحت هذه العبارة فإنه يتوجب التفحص من فحواها فهي لا ينبغي أن تكون شعارا للتكسب الانتخابي أو التفوق الديني و لترزق الوعظي بلا اختبار وتمحيص .

لو صحت العبارة فإن معناها - حسب تفسيري - أن الإسلام يتقدم مع الزمان والمكان ، ولا يأخذهما إلي الخلف . ولأكون أكثر دقة أقول : أن فهم الإسلام يتقدم مع تقدم الزمان والمكان ولا يرتد بهما إلي الخلف ليكونا مناسبين لوضع كان وانتهي منذ 14 قرنا .

وعندئذ يمكن أن أتفق مع العبارة السابقة وأقول : أنا مؤمن بها أيضا .

مقاصد الشريعة : ما هي المقاصد وما هي الشريعة ؟

المقصد هو القصد والهدف والغاية ، أي هو الغاية النهائية التي يتم الوصول لها بوسيلة ما .
والشريعة لفظة مختلطة في هذا الزمان ما بين أصولها القرآنية " شرعة وشريعة " وما بين استخدامها الدارج اليوم واشتهارها ضمن عبارة معروفة للكثيرين ألا وهي " الشريعة الإسلامية "

وحتى يسهل فهم الكلمة يجب أن نعود تاريخيا إلي الزمان الذي نزل فيه القرآن ، لنعرف أن لفظتي " شرعة وشريعة " كانتا لفظتين سابقتين لكل الأحكام الفقهية والمذاهب الفقهية والفكرية وظهور المجتهدين والعلماء والفقهاء والمفكرين والفلاسفة وغيرهم .

ولذا فإن كلمتي شرعة وشريعة ليستا بالضرورة مرادفتين لكلمة " الشريعة " الموجودة في العبارة الشهيرة " الشريعة الإسلامية " ، فغالبا ما يتم ذكر هذه الكلمة الآن ليستدل بها علي الإسلام نفسه أو أصوله وهذا استخدام خاطئ للكلمة ، اللهم إلا إذا قمنا بتحرير اللفظ من معناه الأصلي ، ولكن إذا قمنا بهذا كان يتوجب علينا أيضا ألا نخلط بين اللفظة و ما عنت حينها وبين اللفظة وما تعني اليوم .
شرعة وشريعة أي منهج وطريقة وقد تعني مجموعة قوانين أو قواعد أساسية وأطر ، وهذا المعني يؤكده زمن استخدام اللفظة ، وبما أن اللفظة لها زمن نزول وتاريخ محيط فإن لفظة شرعة وشريعة لم تعني الأحكام الفقهية بكل تفاصيلها وتعقيداتها ولم تعني اختلافات الفقهاء ولا إشكاليا تهم ولم تعني مدارس الفهم ولا من ابتدعوها ، بل عنت شيئا آخر وما عنته كان يجب أن يكون متناسبا مع زمن النزول وورود اللفظة ، ومن ثم فإن شرعة وشريعة " القرآنيتين " كان يشيران إلي الأصول والقواعد والثوابت لا المتغيرات ولا الفرعيات ولا الاختلافات .
وبالتالي فإن الأصول ربانية وفهم الأصول إنساني بحت يحتمل الصواب والخطأ .

" مقاصد الشريعة " هي عبارة أتي بها علماء الأصول في محاولة لفهم الغاية من أي تشريع والهدف من أي تقنين ، فمقاصد الشريعة أعلي من الأحكام الفقهية والمقاصد هي الهدف من الشريعة فالشريعة وسيلة والمقاصد غاية . الشريعة طريقة والمقاصد منتهي . الشريعة تقنينات والمقاصد دستور.

للمزيد من الاطلاع :
( الشريعة ) في أصل اللغة: هي مورد الشاربةُ الماءَ، ثم استعير لكل طريقة موضوعة بوضع إلهي ثابت؛ واشتق منه الشِّرْعة في الدين، والشريعة، قال تعالى: { لكل جعلنا منكم شرعة ومنهاجا } (المائدة:48) وقال سبحانه: { ثم جعلناك على شريعة من الأمر فاتبعها } (الجاثية:18)
ومن الباب: أشرعتُ الرمح نحوه إشراعًا؛ والإبل الشروع: التي شَرَعت ورَويت؛ ويقال: أشرعتُ طريقًا، إذا أنفذته وفتحته، وشرعت الإبل، إذا أمكنتها من الشريعة، أي: من مورد شرب الماء .

وقوله تعالى: { لكل جعلنا منكم شرعة ومنهاجا } (المائدة:48) رُوي عن ابن عباس رضي الله عنه في تفسير الآية، قال: ( الشرعة: ما ورد في القرآن، والمنهاج: ما ورد في السنة ) ورُوي عنه في معنى الآية أيضًا، قال: ( شرعة ومنهاجًا: سبيلاً وسُنَّة ) وقال قتادة : شرعة ومنهاجًا، الدِّين واحد، والشريعة مختلفة؛ وقيل في تفسيره: ( الشِّرْعَةُ ): الدِّين، و( المِنهاجُ ): الطريقُ؛ وقيل: ( الشرعة ) و( المنهاج ) جميعًا: الطريق، والطريقُ هاهنا: الدِّين؛ وقال بعضهم: ( شِرْعَةً ) معناها: ابْتِداءُ الطريق، و( المنهاج ): الطريق المستقيم والواضح .

وقوله تعالى: { ثم جعلناك على شريعة من الأمر فاتبعها } (الجاثية:18) قال الفراء : على دين ومِلَّة ومنهاج؛ وقال بعضهم: { على شريعة } أي: على مِثال ومَذْهَبٍ؛ ومنه يقال: شَرَعَ فلان في كذا وكذا، إِذا أَخذ فيه؛ ويقال: فلان يَشْتَرِعُ شِرْعَتَهُ، ويَفْتَطِرُ فِطْرَتَهُ، ويَمْتَلُّ مِلَّتَه، كل ذلك من شرعة الدِّين، وفطرته، ومِلَّته .
و( شَرَع ) الدِّين يَشْرَعُهُ شَرْعًا: سَنَّه؛ وفي التنزيل العزيز: { شرع لكم من الدين ما وصى به نوحا } (الشورى:13) قال ابن الأَعرابي : { شرع ) أَي: أَظهر، وقال في تفسير قوله تعالى: { شرعوا لهم من الدين ما لم يأذن به الله } (الشورى:21) قال: أَظهروا لهم .



" الشريعة الإسلامية " لا تساوي الإسلام

الإسلام يشمل الشريعة والشريعة لا تشمل الإسلام ، وحتى لفظتي شرعة وشريعة القرآنيتين بمعناهما الذي تحدثت عنه في فقرة سابقة لم يساويا الإسلام ولم يحتوياه ، لأن الإسلام عقيدة وشريعة ، ولفظة الشريعة الإسلامية باستعمالها الدارج اليوم يشوهان المعني الأكبر لكلمة الإسلام ، فالإسلام دين من الله – حسب إيمان المسلم – و " الشريعة الإسلامية " باستخدامها الحالي ليست إلا محاولات إنسانية فردية أو جمعية لفهم هذا " الإسلام " ولا يمكن مساواة ما هو " مقدس " بما هو " إنساني " .

المقصد : متغير أم ثابت ؟

عرفنا معني المقصد وقلنا أنه لفظة مبتدعة في ذاتها وهي تشرح كيف أن الشريعة " كوسيلة " تهدف إلي مقصد " كغاية " ، غير أن المقاصد نفسها لم تكن مذكورة في القرآن ولا في السنة المشرفة الصحيحة بلفظة يمكن الرجوع إليها حين النزاع حولها . لكنه من الثابت أن من ابتدعها من الأصوليين كان يفهم بشكل كامل أن الشريعة " كوسيلة " لم تكن هي الغاية ، وإنما الغاية أو المقصد هو شئ آخر .
كيف وجد الأصوليون المقاصد من بين آلاف الآيات القرآنية وعشرات الآلاف من الأحاديث الشريفة ؟
كان ذلك فعلا تراكميا وفهما متدرجا ومجهودا جمعيا نتج عنه تحديد المقاصد من فهم مجمل وشامل لجملة النصوص ، فكان أن حددوا المقاصد التي فهموها بشكل إجمالي في خمس نقاط رئيسية يسمونها مقاصد الشريعة أو " المصالح الخمسة " أو " المقاصد الخمسة " وهي حرية الاعتقاد وحرمة العرض والعقل والنفس و حق التملك ، وهي بما لا يدع مجالا للشك يمكن مساواتها بما نسميه اليوم " حقوق الإنسان " .

غير أن السؤال الذي يطرح نفسه هو : هل هذه المقاصد ثابتة أم متغيرة ؟
وهذا سؤال أهم من البحث في قضية اختلاف الآراء الفقهية المستنبطة من الأصول والمستندة إلي قواعد الاستنباط .
لأن الأحكام الفقهية الكلية والجزئية والاختلافات المذهبية وغيرها ما هي إلا وسيلة لتحقيق المقاصد فلو تغيرت المقاصد وجب تغيير الأحكام تباعا وبلا أدني شك .

في الحقيقة إن الناظر إلي المقاصد التي وصل إليها الأصوليون في القرن الأول والثاني الهجريين يجب أن يصاب بنوع من الانبهار وهو ينظر إلي زمن بعيد وطويل توصل فيه مجموعة من المجتهدين إلي تحديد عدد من المقاصد بمثل هذه الدقة .
وهو أمر يوحي بمدي فهم هؤلاء الأصوليين للنص وللواقع في وقت واحد وهو أمر في منتهي الأهمية .
لكن " المقاصد " تحكمها هي الأخرى أحوال وظروف ، ولا يعني هذا بالضرورة أن كل مقصد متغير ولكن قد يوحي بأن المقصد نفسه قابل للتغيير أو أن المقاصد قد يزيد عددها أو ينقص أو قد يتم إجمالها تحت عنوان واحد مثلا أو تصنيفها بشكل مختلف ، فما المانع أن يكون هناك ست مقاصد بدلا من خمسة أو تسعة مثلا ، أو نجعل مقصدين من الخمسة تحت عنوان واحد مثلا ؟
هذا ليس جدلا أفلاطونيا ، بل هو مناقشة لقضية تم تقديسها وهي ليست مقدسة علي الإطلاق .

نعم إن في القرآن ثوابت لا جدال فيها ومن هذه الثوابت استنبط الأصوليون المقاصد ثم عرفوها وحددوها ثم هم قالوا للمقاصد وسائل لتحقيقها ألا وهي الشريعة والشريعة التي هي مجموعة أراء بشرية فقهية شارحة للأصول النصوصية ليست " شرعة وشريعة " القرآنيتين .

المناط التاريخي مرة أخري

سألت سؤالا في منتهي الأهمية في مقدمتي ، وكان السؤال : ماذا لو كان بعث النبي محمد صلي الله عليه وسلم في زمن قريب أو في القرن التاسع عشر الميلادي مثلا ؟
هذا السؤال لم يكن عبثيا بل هو سؤال استطلاعي يهدف لفهم معني كلمة " المناط التاريخي ".

الرق مثالاً

يمكننا مثلا أخذ قضية بعينها ، مسألة الرق أو الاستعباد ، نجد أن من ألف وأربعمائة سنة كانت هناك خصائص سياسية واجتماعية وثقافية في المنطقة العربية ، كان هناك نظام اقتصادي كامل مؤسس علي تجارة العبيد وكان الواقع السياسي الذي فرضته مكونات تاريخية مثل الطبيعة القبلية بحروبها ونزاعاتها والطبيعة الإمبريالية التوسعية بملامحها السلطوية الاحتلالية .

القبائل تغزو بعضها بعضا وتسترق الأسري .
والإمبراطوريات تحتل الأراضي وتستقر فيها وهي أيضا تستخدم الرق والعبودية لأكثر من سبب .
هنا يتضح لنا أن الرق ليس اختراعا إسلاميا وليست مقصدا إسلاميا أيضا ، بل واقع كان موجودا وهو واقع لا يمكن التعامل معه إلا بمنتهي الحذر والتدريج تشريعيا مع إبقاء النظر بشكل دائم علي المقاصد العامة النهائية .

إن إلغاء الرق بشكل حاسم وقاطع في زمن كان الرق فيه مصرفا اجتماعيا لأسري الحرب ، وكان عامودا اقتصاديا تقوم عليه مصادر الدخول للقبائل والإمبراطوريات وهما الكيانات السياسية المعروفة حينذاك ، كان سيدمر المقاصد ذاتها .
المقاصد الخمسة كانت تهدف إلي خلق حالة من السلم المجتمعي مؤسسة علي قوانين تمارس العدالة الموضوعية القابلة للتنفيذ بشكل واقعي لا فلسفي ولا شعاراتي .
إن هدم نظام الرق كله فورا لم يكن ليخدم المقاصد بل كان سيسبب فوضي وظلما وضررا أكثر مما لو تم الإبقاء عليه مع التخلص منه بالتدريج أو تحسين تطبيقاته تدريجيا وبأقل الأضرار .
ما معني أن تهدم مبني لو هدمته الآن لسقط علي خمس مبان أخري فيقتل كل من فيها ؟

ولكن بنفس المنطق ، أقول لو أن محمدا جاء ولم تكن هناك أنظمة رق ولا عبودية فما أظن أننا كنا سنجد أية واحدة في القرآن تذكره أو تقننه أو تدرج تشريعاته ، لأنه ليس موجودا أصلا ، بل علي العكس تماما ، ربما وجدنا آيات تحرمه وتجرمه .
ثم انظر في قول البعض الآن أنه إذا قامت حرب ما بين دولتين وكان للحرب أسري فيتم استرقاقهم بأثر رجعي مستخدمين قوانين زمن كان فيه الرق موجودا قبل الإسلام ، وكأنهم يأخذون الإسلام إلي الخلف من بعد أن أخذهم الإسلام إلي الأمام .

أليس هذا من العبث المتناهي ؟

المناط التاريخي : مدخل لفهم الأزمة الفقهية

المناط التاريخي هو الحالة التاريخية الفريدة المحيطة والمؤثرة والمسيطرة علي المجتمعات بشكلها الفردي المنعزل في شكل جزر منفصلة أو بشكلها الكلي المتصل بالمجتمعات الأخرى المحيطة بها .
وهو يصف الزمان والمكان والأشخاص والأحداث حتى يحدد واقع هذه العناصر واحتياجاتها وصفاتها المميزة .

المناط التاريخي ليس عيبا أو حراما ولا هو محاولة لتقويض الأصول وتدمير الإسلام ، بل هو محاولة لدعم فهم الأصول وإخراج الإسلام من مأزق الفقه الموروث الأصم إلي الفقه الآني المتحرك .

هو محاولة للتركيز علي المقصد كونه غاية وهو الأهم لا التركيز علي الوسيلة كونها وقتية وتستجلب ضرورتها من ضرورة الغاية وليس العكس .

إن فهم المناط التاريخي لكثير من نصوص القرآن يحل معضلات كثيرة ومنها قضايا مشتعلة الآن علي مستوي العالم ومنها قضايا الردة والجزية والحكم والسياسة ، وقضايا تتعلق بالمرأة والأسرة وغيرها من قضايا المجتمع والسياسة والاقتصاد .

إذا علمنا أن الاجتهاد توقف لست قرون من السابع إلي الثالث عشر ، لم نستغرب إذن تلك الأزمة الفقهية التي نعيشها الآن .

مقاصد الشريعة : العدالة للجميع

إذا علمنا أن مقاصد الشريعة بشكل عام تهدف إلي حماية حرية العقيدة وحماية النفس وحماية العرض وحماية حق التملك وحماية النسل ،ألا يخبرنا هذا أن المقصد الأشمل والأعلى للمقاصد هو مقصد واحد ... ألا وهو العدالة ؟ وإذا علمنا أن العدالة هي المقصد النهائي للشريعة ، فإن كان الحكم الفقهي يسبب ظلما فاعلم أنه لم يراعي المقاصد بل ربما هدم منها واحدا أو اثنتين .

والعدالة لا يتم انتقاؤها ولا منحها ولا المن بها ، لأن العدالة حق من الله ممنوح لكل من خلق وما خلق وليس لمخلوق علي مخلوق فضل فيها ولا من .
بل أزيد فأقول أن الله أمر الناس بالعدل ولم يأمرهم بالإيمان به ، فقد خيرهم بين الإيمان والكفر فقال " فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر " ولكنه أمر الجميع بالعدالة فقال :" إن الله يأمر بالعدل ".

وإن الدين المؤسس علي قيمة مفروضة مثل العدالة أولي بأن تعبر تشريعاته عن هذه القيمة ، فإن وجدت من علماء هذا الدين وفقهائه ومفكريه وأتباعه ظلما منسوبا لهذا الدين فعليك أن تتحقق من مما فهموا وعرفوا وقالوا ، فالله لا يأمر بالظلم ويحرمه علي عباده بينما العباد يظلمون أنفسهم وغيرهم بأي حجة كانت ولو ليا لنص وعبثا بتفسير آية وحشرا لاجتهاد بشري في شأن نص قرآني أو حديثي صحيح .


مقصد جديد : حماية البيئة والمناط التاريخي

وهو ليس بالجديد محتوي ومضمونا لكنه جديد بالتسمية ، وهنا يصبح المناط التاريخي سببا في إضافة مقصد جديد ، حيث نعيش في أيامنا هذه ظرفا تاريخيا غير مسبوق يعاني فيه كوكب الأرض من ارتفاع غير مسبوق لدرجات الحرارة يسبب طفرات جوية وطبيعية تسبب مقتل الآلاف من البشر في لمح من البصر وتدمر الحرث والنسل والمنازل وتهلك الأخضر واليابس وتعرض مصادر الماء للجفاف في بقاع ما وتسبب ذوبان الثلج في مناطق أخري معرضة مناطق من العالم للغرق التام تحت المياه .
وهو زمن فيه من يتلف الغابات ويستخدم فيه أسلحة تدمركل حي وتلوث كل شئ .
فسواء ضممنا المقاصد الثلاثة المتخصصة بحماية النفس والعرض والنسل مثلا واستنبطنا منها مقصدا ثالثا يدعو لحماية البيئة أم قمنا بابتداع مصطلح جديد يضاف إلي المقاصد الخمسة وسميناه حرمة البيئة أو حق البيئة أو حماية البيئة فإننا بهذا نسير باتساق مع المقصد الأعلى للشريعة ألا وهو العدالة .
ومن هنا يصبح كل عمل مسبب لإهلاك البيئة أو يدمرها أو يعين علي ارتفاع درجات الحرارة في كوكب الأرض أو يدمر المصادر الطبيعية ويهدرها ، يصبح عملا حراما وظلما مبينا وجريمة يجب العقوبة عليها .
والنصوص في القرآن وفي السنة النبوية المشرفة كثيرة في هذا المعني وتخدم هذا المقصد خدمة مباشرة ، فضلا عن التي تخدمها بشكل غير مباشر ومنها علي سبيل المثال لا الحصر :
1. :( الإيمان بضع وسبعون أو بضع وستون شعبة أفضلها قول لا إله إلا الله وأدناها إماطة الأذى عن الطريق والحياء شعبة من الإيمان ) رواه مسلم .
2. ( لا ضرر ولا ضرار ) ، حديث حسن ، رواه ابن ماجة و الدار قطني وغيرهما مسندا . ورواه مالك في الموطأ مرسلا : عن عمروا بن يحيى ، عن أبيه عن النبي صلى الله عليه وسلم . فأسقط أبا سعيد . وله طرق يقوي بعضها بعضا .
3. "من نصب شجرة، فصبر على حفظها والقيام عليها حتى تثمر، فإن له في كل شيء يصاب من ثمرها صدقة عند الله عز وجل" (رواه أحمد).
4. "ولا تفسدوا في الأرض بعد إصلاحها "(الأعراف :56)

يمكن الرجوع إلي كتاب "رعاية البيئة في شريعة الإسلام" للدكتور يوسف القرضاوي، لمزيد من المعلومات - إصدار مكتبة دار الشروق عام 2001م.



المناط التاريخي : ليس أمراً جديدا

لما أوقف ابن الخطاب سهم المؤلفة قلوبهم رغم نص صريح وواضح لأية في القرآن ينص علي إعطاء هؤلاء المتصفين بصفة " المؤلفة قلوبهم " ما هو حقهم بنص القرآن ، كان فعلا ينم عن فهم عمر بن الخطاب لعلة النص لا ارتباطا بحرفية لفظه وفهمه لتغير الظرف التاريخي المتجدد ، فمن المعروف أن الله فرض في القرآن للمؤلفة قلوبهم سهما في الزكاة إذ يقول عزوجل: ( إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاء وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللّهِ وَابْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِّنَ اللّهِ وَاللّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ ) (لآية 61 من سورة التوبة).
وقد كان رسول الله صلى الله عليه وآله يعطي المؤلفة قلوبهم هذا السهم من الزكاة . والمؤلفة قلوبهم أصناف متعددون فمنهم أشراف من العرب كان النبي يتألفهم ليسلموا فيرضخ لهم ، ومنهم قوم اسلموا ونياتهم ضعيفة فيؤلف قلوبهم بإجزال العطاء ، كأبي سفيان ، وابنه معاوية ، وعيينة بن حصن ، والأقرع ابن حابس ، وعباس بن مرداس ومنهم من يترقب - بإعطائهم - إسلام نظرائهم من رجالات العرب ، ولعل الصنف الأول كان يعطيهم الرسول صلى الله عليه وآله من سدس الخمس الذي هو خالص ماله ، وقد عد منهم من كان يؤلف قلبه بشئ من الزكاة على قتال الكفار .
( نتابع القصة عند القدوري في الفقه الحنفي في صفحة 164 من جزئه الأول ) :
إن المؤلفة قلوبهم جاؤوا بعد النبي صلى الله عليه وآله وسلم على أبي بكر رضي الله عنه ليكتب لهم بعادتهم ، فكتب لهم بذلك فذهبوا بالكتاب إلى عمر رضي الله عنه ليأخذوا خطه على الصحيفة ، فمزقها وقال : لا حاجة لنا بكم فقد أعزّ الله الإسلام و أغنى عنكم ، فان أسلمتم وإلا فالسيف بيننا وبينكم فرجعوا إلى أبي بكر فقالوا له : أنت الخليفة أم هو ؟ فقال : بل هو إن شاء الله ، وأمضى ما فعله عمر ، واستقر الأمر من يومها عند الجمهور على إسقاط هذا السهم ، بحيث لا تبرأ الذمة
من هذه السابقة يثبت أن " المناط التاريخي " يفرض مقاصده أو علاته ، حيث أدي تغبير المناط إلي تغيير العلة ، وأدي تغيير العلة إلي عدم الالتفاف إلي حرفية " نص الآية " مع الإيمان بقدسية ألفاظها وأنها لا تتبدل ، وأدي هذه بدوره إلي الاهتمام بمقصد الآية ذاتها وهو الأهم في مثل هذه الحالة .

كان يمكن أن يكون عمر مخطئا في اجتهاده هذا لكن الشاهد من هذه القصة هو أن :
المناط التاريخي يفرض واقعا مختلفا وعندها يضطر المجتهد إلي الالتفات بشكل أكبر إلي المقاصد "المتغير منها والثابت " لا حرفية النصوص


المناط التاريخي : ليس مناورة حول الإسلام

وليس تنازلا من بعض المسلمين عن ثوابتهم لمجاراة الضغوط من الشرق أو الغرب ، وليس محاولة لتقويض عراه وتدمير أصوله ، وليس خطوة نحو التحلل منه أو التبرؤ من دعوته ، بل هو عامل مهم في فهم الإسلام وربطه بالواقع كما كان مرتبطا به دائما وأبدا ، وهو طريقة العلماء الفاهمين والأصوليين الشارحين والمفصلين ، وهو سنة الخلفاء الراشدين ، وهو فهم العقلاء وسنة الحكماء ، وليس معني عدم وجود مصلح " المناط التاريخي " صراحة في كتب الأقدمين أن محتوي ومضمون المصطلح لم يستخدم ، بل علي العكس فقد استخدم مرارا وتكرارا .
إن الخائفين علي الإسلام الذين يتهمون دعاة الاجتهاد بأنهم متواطئون مع الشرق أو الغرب بدعوي أنهم – أي هؤلاء الخائفين - حماة حمي الإسلام وجنود الله ، هم أنفسهم عبء شديد وهم ثقيل عليه وعلي عباد الله من المسلمين ومن غير المسلمين .

إن الذين لا يفهمون مقاصد الشريعة ولا يعرفون علل النصوص ولا يفهمون المناط التاريخي يسببون لنا جميعا توقفا اصطناعيا عن النمو مع الإسلام ويريدون أن يجعلوا الإسلام نفسه أداة للعودة إلي الوراء وهو ذاته أداة تسمح بالتقدم للأمام . إن فهم المناط التاريخي لا يعني إلغاء نصف أو ربع أو ثمن أحكام الإسلام ، فليست هذه القضية ، فقد يتغير قدر ضئيل من الأحكام تخدم المقاصد بشكلها الحالي ، ولكن حتى يتم هذا في جو يسمح بالاجتهاد دون ترويع وتهديد وتخويف وتخوين ، يجب أن يتاح لمن يمتلك مفاتيح الاجتهاد أن يفعل هذا ، وليكن هناك حوار لا صراع وقتال ، وليكن هناك مجال لكل المتخصصين أن يقوموا بدورهم لشرح الواقع بشكله الحالي بتاريخيته الفريدة وسياسته المعقدة واجتماعيته المركبة واقتصاديته العالمية المتشابكة ، حتى ي