ليس هذا امرا عسكريا كما يبدو في شكل العنوان ..الا انه مسالة تبدو انها تحدث الان ببطء شديد الا انها حتمية لا مهرب منها
قبل ان اخوض في الموضوع نفسه اريد ان انبه ان اليسار واليمين ليسا الا مصطلحين لا يعبران بالضرورة عن فئة ايديولوجية معينة
فالعلماني يمكن ان يكون في اليمين او اليسار
والليبرالي ايضا ..فمثلا لبراليي امريكا في اليسار وليبراليي اوربا في اليمين
وهكذا
الشيوعيون في اقصي اليسار عادة والاشتراكيون في درجات متنوعة الظلال من اليسار من منتصفه الي اقصاه
وان كان يسار ويمين لفظتين نشئتا من المؤسسة البرلمانية البريطانية فكان الواقف علي يمين رئيس مجلس العموم البريطاني " يميني " والواقف علي يسار رئيس مجلس العموم " يساري" وكليهما لهما رايين مختلفين في قضية ما
فان ملامح اليسار واليمين تغيرت ايضا واصبحت تعني عدة اشياء عبر الزمن
في العقلية المسلمة بشكل عام يبدو ان يساري تعني شيوعي و احيانا ملحد
كما ان تقدمي تعني منحل ومرتد او متسيب متميع وهكذا
ولذلك علي اولا ان احرر التعريف من القاذورات التي علقت به حتي اشرح وجهة نظري بشكل اوضح وافضل
المدرسة اليمينية الفكرية سواء كان متبنيها علمانيا او ليبراليا او حتي اسلاميا هي المدرسة التي تحمل ملامح عامة ذات تطبيقات متشابهة كثيرا
فهي مدرسة تدعو الي الحكومة الصغيرة
والاقتصاد الحر باقل قيود سياسية
وتقليل الضرائب خاصة علي الاغنياء
هي مدرسة مغرقة في الهوية احيانا او البحث عن اكثر التفسيرات " محافظة " للتقاليد والدين
وهي مدرسة تحاول جاهدة تدعو الي الروح الحرة في الاستثمار التجاري غير عابئة احيانا بالتبعات الاجتماعية التي تلقي باثارها علي فئات عريضة من المجتمع لا تستطيع التكيف مع سرعة حركة المؤسسات الاقتصادية المكدسة للاموال في جيوب القلة
هي مدرسة يمكن ان تستخدم الدين او الاعراف او التقاليد او المجد او الوطنية لتحقيق اهداف نفعية بحتة لا تعبا بالضرورة لا بالدين ولا الاعراف او التقاليد ولاحتي الوطن
في زمن المؤسسات متعددة الجنسيات التي تحكم هي سياسات الدول اصلا اصبح الامر في غاية التعقيد حيث يتم تحويل العالم الان الي فقراء جدا واغنياء جدا
بلا اي مبالاة بقوانين اجتماعية ولا خصوصيات وطنية ولا اولويات بيئية ولا اخلاق انسانية
فالربح يصبح الدافع الاول
ويبدو ان اليمين في كل التيارات حتي المتدين منها يترنح في مثل هذه المساحة مع فارق يكمن من منتصف اليمين الي اقصاه حسب الاتجاه الفكري نفسه فمثلا التيار الاسلامي الحالي يملك اخلاقيات تجعله في بداية اليمين اكثر منه اقصي اليمين
الا انه يغني علي ليلي اليمين بشكل عام حيث ان قضايا الهوية والمجد والعصر الذهبي والامة المجيدة والعودة للماضي لازالت محور اهتمامه الاول وان الانسان الفرد هو حجر في بناء حائط يلغي هوية الفرد تقريبا
الان في اليسار
حيث يقبع كثير من العلمانيين والاشتراكيين والشيوعيين واللا دينيين وبعض الليبراليين وقليل جدا من الدينيين سواء المسلمين او المسيحين
يكون القضايا ذات الاولويات الهامة هي
حقوق الانسان
الحرية الشخصية
قوانين اتحادات العمال وحقوق العاملين
راس مالية محددة بقواعد اخلاقية لا تسحق شرائح كاملة من الشعب
حجم اكبر للحكومة تقوم ببناء شبكة مجتمعية لحماية الضعيف من ابناء المجتمع او المهمش او الاقليات او المحتاجين لمزيد من الدعم
قضاياها اكثر تحديدا في مسائل العدالة الاجتماعية والحقوق وتحديد المسؤوليات
فرض مزيد من الضرائب علي الاغنياء لمساعدة الفقراء
تحديد صلاحيات الشركات متعددة الجنسيات واجبارها احترام حقوق الانسان وعدم تحويله الي ترس في ماكينة التكسب تقوم بسحقه بينما يزداد الفقير فقرا والغني غني
تعني عادة تلك المجموعات القابعة في اليسار باعادة بناء الطبقة المتوسطة ومنه تاكلها
تعني ايضا بالتثقيف الجمعي
قد يعترض البعض علي طريقتي في التعريف
وانا لست جامدا فيها الا انها خلاصة سنين طويلة وخبرات متعددة وانتقالي من منطقة اقصي اليمين الي منتصفه الي مساحات في اليسار وان كانت لايزال لي قدم في منطقة اليمين
فانا شخصيا لا اري نفسي في اليمين الان تماما الا اني لم اتركه مطلقا
وان كانت معظم قضايا واولوياتي في منطقة اليسار الان
في الولايات المتحدة الامريكية
المسيحية الانجيلية تكاد تقبع باكملها في مناطق اليمين المختلفة بلا شك من معتدلها الي متطرفها
يخرج من هذه المساحة بعض الانجيلين الذين كانوا يقفزون ما بين مناطق اليمين واليسار حسب الحالة مثل مارتن لوثر كنج مثلا ومثل غيره من رجال جدد ينتمون الي المدرسة اليسارية لتفسير الدين المسيحي المؤسس علي رسالة المسيح ويشكلون تيارا ضعيفا ناميا ببطء ولكن باصرار يسمون انفسهم الانجيليون التقدميون او اليساريون وهم يشكون من اليمين المسيحي انه اختطف الدين واوله واستخدمه ودمر مقاصده واهدافه
قابلت البعض منهم بلاشك في السنة الاخيرة وكانوا مثيرين للجدل خاصة وانهم يتعاملون مع قضايا اثارها اليمين كقضايا
الاجهاض وحقوق الشواذ بشئ من الحذر حيث يكاد لا يكون لديهم حلا لها الا بتحويلها الي قضايا شخصية وان تخرج الحكومة منها تماما
الا انهم في قضايا حقوق الانسان والاقليات وحماية الفقير وتقليل الظلم وبحث عن حلول لتحسين الانسان اصبحوا ذوي اثر كبير خاصة للجالية المتدينة التي ملت من سيطرة اليمين علي الدين سيطرة كاملة
في الاسلام
يبدو ان مساحات التفسير اليميني اكثر انتشارا
فهي ذات وجود اقوي في التراث
وفي التفسيرات
وفي عدد العلماء والمجتهدين
وذلك بتعدد الوان اليمين نفسه من منتصف الي اقصي
ولا يمنع ان يكون تفسيرا هنا او هناك في منطقة اليسار
الا ان الغالب الاعم هو اليمين واليمين فقط
انا لا احبذ وصف اي تيار اسلامي بيميني او يساري في مجتمع يجهل المعني اصلا ويحول يمين الي معني واليسار الي معني كلاهما لا يعبر عن تنوع اللونين اصلا
ولكن
مدرسة الحقوق والعدالة الاجتماعية وحقوق الاقليات ورفع مستوي الانسان المعيشي وحماية الطبقة المتوسطة من التاكل المستمر وخلق ثقافة جمعية هدفها زرع مبادئ انسانية عامة في منطقة الخطاب البنائي مثل التعايش مع الاخر والبحث عن الحقوق والتركيز علي التكوين الميكروسكوبي للانسان وتحويله من انسان منعدم الانسانية ولا يشعر بغيره الي محترم لحقه وحق غيره وكذلك زرع معاني السكوت عن الحق يضر بالكل وتشجيع معاني التعدد وقبول المختلف وغيرها ومن قضايا تميز اليسار في تناولها بشكل عام
هي مدرسة او قل مدارس يحتاج ذوو المرجعية الاسلامية التركيز فيها بما يمكن خلق بديل للمدرسة الاسلامية القابعة باكملها في اليمين وذلك ليس لاستبدالها بالكلية بل لموازنة خطابها والتلطيف من اثرها المدمر احيانا علي المجتمع
المسالة ليست يسار او يمينا
بل في النهاية هي مسالة مبدا
حيث ابحث عن القصد العلوي والاهم في التشريعات الدينية اري ان مسالة الحقوق والعدالة الاجتماعية تصرخ في وجهي صراخا وتقول احملني وتحرك بي وادعو الي مبادئي وقوي اسسي ولا تنسي ان تنسبني الي الله ايضا فانا منه
بالطبع تحدثت من قبل علي الخطاب البنائي والانتحاري
ولا ننسي ان اليسار قد يتأثر بالخطابين اصلا
بمعني ان تاويل النصوص او تفسيرها لتكون اكثر وقوعا في منطقة اليسار لا يكفي بل يجب ان تكون بنائية ايضا
والتاويل لا يعني تفسير النصوص وحسب
بل التطبيقات
من 200 سنة لم يكن هناك تعريفات اصلا بمثل هذا التعقيد
الشاهد من كلامي اليوم هو شئ واحد فقط
المزيد من الحقوق
المزيد من العدالة
المزيد من البناء
المزيد من الامل
بمرجعية من رب الحقوق والعدالة والبناء والامل
وجزاكم الله خيرا